عندما تولى ايفجيني بريماكوف رئاسة الوزارة الروسية في عهد يلتسين, وكان ذلك منذ حوالي ثلاث سنوات, كتبت نيويورك تايمز تغمز من قناة بريماكوف بوصفه واحدا من خريجي مؤسسة المخابرات الروسية الشهيرة (كي جي بي) فقالت ما معناه: هكذا عشنا وشفنا.. سوبر جاسوس أو كبير جواسيس (سباي ماستر) يصبح رئيسا للحكومة في موسكو. الامريكيون هم آخر من يحق لهم السخرية من تولي واحد من منتسبي مؤسسة التجسس رئاسة الوزارة في روسيا.. لماذا؟.. يكفى أن يتذكر الامريكيون أن واحدا من أهم زعمائهم لم يكن مجرد أحد منسوبي مؤسسة التجسس أو منظومة الاستخبارات بل كان على رأس أكبر مؤسسة تجسس واستخبارات في امريكا والعالم.. وكان بدرجة رئيس جمهورية واسمه جورج بوش, فخامة الرئيس سكان البيت الابيض لمدة 8 سنوات منها 4 سنوات نائبا للرئيس رونالد ريجان.. وقبل ذلك تولى جورج بوش مناصب عديدة كان من بينها موقع سفير امريكا لدى الصين, وموقع مندوب امريكا لدى الامم المتحدة, ولكن كان من اهم هذه المواقع منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. بوتين اللغز كان هذا كما ألمحنا منذ ثلاث سنوات تقل أو تزيد, ولكن يبدو أن الامر قد اصبح لا يدعو لكثير من الدهشة, ناهيك عن السخرية, فها نحن قد ننتظر في الاسابيع القادمة مع حلول شهر مايو المقبل حفل تنصيب فلاديمير بوتين رئيسا لدولة الاتحاد الروسي وهو بدوره كان واحدا من أكبر العاملين في مؤسسة الاستخبارات الروسية منذ ايام العهد السوفييتي الذي باد, أو بمعنى آخر واحدا من أهم كوادر حرفة الجاسوسية التي تخلى عنها ليصبح واحدا من مساعدي بوريس يلتسين, ومن ثم يستعد ليكون الرجل رقم واحد في مكتب الرئاسة في قصر الكرملين. ولأنه جاسوس سابق محترف لايزال فلاديمير بوتين يشكل لغزا أو شبه لغز امام المراقبين والمحللين السياسيين.. هو رجل في اعالي الاربعينيات من عمره (قارن مثلا رجال الحقبة السوفييتية ـ بريجينيف بالذات ـ كانوا يبدون وكأنهم تماثيل محنطة من الشمع المتحرك) ثم قارن أيضا بين خط التذبذب والانحدار في صحة سلفه يلتسين بفعل الافراط في تعاطي (الفودكا) ولكن بوتين لم يشف غليل المحللين إذ لم يطرح وثائق يعتد بها حول برامجه واجندته الاصلاحية وخطه السياسي سواء من داخل كمنولث ( رابطة) الدول المستقلة التي تقودها موسكو أو في العالم الخارجي. لا عجب أن تكتب اسبوعية الجارديان البريطانية قائلة أن بوتين مازال لغزا يحير الغرب فيما يتعلق باهدافه في مضمار السياسية الخارجية, ولم يخفف من هذه الحيرة تصريحات رجل الكرملين المقتضية غداة فوزه في الانتخابات الرئاسية التي اشار فيها بمنطق أقرب الى التلميح منه إلى التوضيح فقال إن نجاحه في الانتخابات الرئاسية سينطوي على حقبة أكثر استقرارا في علاقات الشرق بالغرب.. وفيما كان المحللون بل والمسئولون الامريكيون بالذات ينتظرون مزيدا من الايضاح لتصريحات الرئيس المنتخب جاءتهم تصريحات وزير خارجيته ايجور ايفانوف لتزيد من كثافة الغموض حين اكتفى الوزير بالقول إن سياسة موسكو الخارجية سوف يطرأ عليها تغيير و.. دمتم. 3 محاور اساسية والمحللون والساسة المسئولون الامريكيون يفهمون هذا التغيير المرتقب في سياسات الرئاسة الجديدة في روسيا خلال محاور اساسية ثلاثة هي: أولا: تعميق الالتزام باجراء المزيد من التحولات نحو اقتصاديات السوق. ثانيا: الدخول في المزيد من اتفاقيات نزع السلاح وخاصة في مجال السلاح النووي والاسلحة غير التقليدية بحكم خطورتها الفتاكة من جهة وبحكم خطر وقوعها في أيد غير مسئولة من جهة أخرى, سواء لصالح جماعات الارهاب الدولي, أو لحساب من تطلق عليهم الادبيات السياسية الامريكية بالحق وبالباطل وصف الدول الشريرة أو الدولة الوغد (روج ستيت). ثالثا: بلورة وتوضيح وتحديد شكل العلاقات بين روسيا بوتين وبين حلف شمال الاطلسي (المحالفة الغربية) وهي علاقة كانت عدائية خلال سنى الحرب الباردة ومازالت متوترة يحفها قدر لا بأس به من التربص والتشكك المتبادل وخاصة في ضوء جهود إدارة الرئيس كلينتون في توسيع نطاق الاطلسي شرقا إلى حيث جبال الاورال بوابة التخوم الروسية أو شمالا إلى ضفاف بحر البلطيق, دع عنك التوتر المشحون بين الجانبين خلال حرب كوسوفو وقيام طائرات الاطلسي بقصف يوغوسلافيا ميلوسيفيتش وهو مارأت فيه روسيا أنه مساس بأمن وسلامة عصبة الشعوب السلافية التي تتطلع موسكو إلى زعامتها. هل معنى ذلك أن الغرب غير سعيد بنتائج الانتخابات الاخيرة في روسيا؟ طبعا العكس هو الصحيح. الغرب اسعده كل السعادة أن تخلص من بوريس يلتسين الذي ظل يشكل عبئا على عاتق اصدقاء روسيا والمراهنين عليها في أوروبا الغربية وأمريكا, وكان استبعاده الفجائي من السلطة , وقد بدا حدثا دراميا أجاد القوم اخراجه وتوقيته بصورة مسرحية سواء من خلال بعد الزمان (فاتح الألفية الجديدة) أو بعد المكان (مبادرة يلتسين إلى زيارة الارض المقدسة في فلسطين) هذا الاستبعاد كان مدعاة إلى تنفس الصعداء واغلاق محاولة اغلاق ملف الفساد المالي والسلطوي والسياسي الذي حاق بعصبة الحكم في كرملين يلتسين. والغرب اسعده ولا شك سقوط زعامات الحزب الشيوعي الروسي التي كانت في الانتخابات الاخيرة رغم قدر من الشعبية التي يتمتعون بها في الشارع الروسي وخاصة بين اجيال المسنين. والغرب اسعده كذلك أن يأتي إلى السلطة زعيم حزب جديد في سن الشباب يمكن أن ينشئ قدرا من الارضية المشتركة كي لا نقول التوافق أو الشراكة العاملة مع زعامات اجيال الشباب التي تعني في اطار التحالف الغربي عبر ضفتي الاطلسي ما بين شرويدر في المانيا إلى بلير في بريطانيا إلى كلينتون ومن بعده جور (الشاب نسبيا) أو بوش (الابن) في الولايات المتحدة. ولقد اعرب عن هذا الرأي الاخير المفكر السياسي الامريكي (كيث بوش) وهو خبير ومدير الشئون الروسية في مركز الدراسات الاستراتيجية في موسكو حين قال: إننا نرحب يبوتين محاورا جديدا بدلا من يلتسين رغم أن بوتين لم يفصح عن أي آراء في مجال الاصلاحات التي سيقوم بها في روسيا. آراء متشائمة صحيح أن هذه الآراء تعكس قدرا من التفاؤل أو فلنقل من المراهنة السياسية, لكن الصحيح ايضا أن هناك من المحللين والمفكرين في امريكا نفسها من يكاد يقول: كفوا عن مراهناتكم وعن تفاؤلكم فالاوضاع بلغت من السوء في روسيا إلى حد يستعصى على العلاج. إلى هذا الرأي يذهب البروفيسور دانييل تريزمان استاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا الذي يرى أن الفساد في روسيا اكتسب أو كاد يكتسب طابعا مؤسسيا بفعل التحالفات التي شهدتها حقبة يلتسين بين دوائر الحكم ودوائر التجارة وكبار رجال الاعمال وهم طائفة البليونيرات (التايكون حسب التعبير الانجليزي) بمعنى ثرائهم الفاحش وتحالفهم الوثيق مع المؤسسة السياسية مما يضفي عليهم نفوذا أو تأثيرا بالغين على عمليات صنع القرار بل وعلى آلية سن القوانين ومنها ما يتماس بشكل مباشر مع مصالحهم. ويضرب الباحث الامريكي امثلة على هؤلاء الحيتان الذين يتصورون أن جهود بوتين الاصلاحية أو غيره من خلفاء يلتسين سوف تتحطم على صخور نفوذهم في اعلى الدوائر في روسيا فيورد نماذج من امثال ريم خيريف الذي يترأس مؤسسة غاز بروم وهي أكبر احتكار للغاز الطبيعي في روسيا ومنهم أيضا فيجيت الكبيروف مدير شركة لكويل وهي أكبر احتكار للنفط, فضلا عن بوريس بيريز فوسكي الذي يصفه بان اسمه لا يكاد يغيب عن مانشيتات الصحف واهتمامات الميديا, كيف لا وهو يملك أكبر احتكارات في روسيا لوسائل الاعلام بكل نفوذها الهائل في تشكيل , بل الادق اعادة تشكيل العقلية الروسية واتجاهات ومواقف ورؤية الانسان الروسي وخاصة قطاعات الشباب. يقول الاستاذ تريزمان: مثل هؤلاء الافراد لا يؤثرون على الدولة في روسيا انهم الدولة بمعنى من المعاني لانهم يقدمون إلى الدولة (المتهالكة الرخوة المستضعفة تحت ضربات التحولات والاحتكارات وانماط الفساد المؤسسي المنظم) يقدمون أموال الدعم التي تعين على استمرار الاجزاء المتداعية من اقتصاد البلد على شكل كميات مجانية من النفط والغاز, وكل ذلك مقابل اعفاءات واستثناءات ضريبية يتمتعون بها (انظر دراسة البروفيسور دانييل تريزمان بعنوان بعد يلتسين يأتي.. يلتسين مجلة فورين بوليس عدد شتاء عام 2000). نخبة بغير ضمير وبمناسبة بوريس بيريزفوسكي امبراطور الميديا كما يسمونه في موسكو فقد وصفته مجلة الايكون وميست بأنه يمثل احد رموز النخبة الحاكمة في روسيا ما بعد الحقبة السوفييتية وأهم خصائص هذه النخبة كما وصفتها المجلة البريطانية يتلخص في عبارة واحدة هي : التجرد من الوازع والضمير. والمذكور اعلاه يكاد يجسد هذا الفصيل من بارونات الاقتصاد في روسيا المعاصرة وهو جزء من مافيا المال والاعمال المتخصص في العلوم الرياضية وبدأ نشاطه تاجرا ببرمجيات الحاسوب الالكتروني واستخدم مهاراته (الفائقة) في اقناع 30 ألف شركة كانت تابعة للدولة كي تشتري برمجياته الحاسوبية (ولك أن تتصور ايضا أن عملية الاقناع لم تكن فقط بالشطارة المهنية ولا بالدعاية المشروعة ولكنها شملت اساليب اخرى من تحت المائدة كما يقولون) بعدها تاجر صاحبنا كما تضيف الايكونو ميست في السيارات.. ولكن أي تجارة؟.. كان يشتري السيارات بالسعر الرسمي الرخيص المدعوم من الدولة ويبعيها بسعر المنطقة الحرة البالغ الارتفاع أما لعبته الكبرى فكانت أن دخل مشتريا لجزء لا يستهان به (تسميه الايكونوميست بأنه القضمة الكبيرة) من جهاز اعلام الدولة الروسية واصبح له محطته التليفزيونية الخاصة التي قدمته إلى الناس ليصبح من بعد عضوا في مجلس النواب (الدوما) لزوم الحصانة النيابية, بطبيعة الحال بعدها دخل المذكور ايضا في تجارة النفط ومنها إلى احتكارات الالومنيوم وصولا حتى الآن إلى الجائزة الكبرى ممثلة في احتكار, محاولة شبكة الانترنت عبر القارة أو شبه القارة الروسية المترامية الاطراف. ماذا بعد مايو ونحسب أن روسيا ما بعد الرئاسة الرسمية لبوتين في أوائل مايو المقبل سوف تشهد صراعا يراه المراقبون محتوما بين بوتين القادم من موسوعة مؤسسة الاستخبارات التي كان يديرها ويريد من ثم ان يملك ويحكم بمقتضى التفويض الانتخابي الذي ناله ولو في حدود نسبة 53% التي حصل عليها من مجموع الاصوات, وبين بيريزوفسكي القادم من عالم تحالفات الاحتكارات مع المافيا ومع السلطة ومع اصحاب النفوذ. وإذا كان امبراطور الاعمال يملك الاموال والتحالفات والحصانة والنفوذ فإن سيد الكرملين المرتقب يملك ملفات وسجلات وربما التسجيلات من أيام مؤسسة استخبارات الدولة, ويملك معها شرعية ومرجعية وصولجانا, يمكنه بواسطة هذا كله أن يعيد بعض الامور إلى نصابها الصحيح. من هنا يحق لمجلة الايكونوميست (عدد 31/3/2000) ان تتنبأ لامبراطور المال والاعمال في روسيا مصيرا يتلخص في واحدة من حالات ثلاث هي: أن يظل بمثابة همزة الوصل المريحة بين دوائر الاموال ودوائر الحكم أو يكون مصيره الحياة في المنفى خارج البلاد أو يودعونه غياهب السجن. ثم يضيف تحليل المجلة الانجليزية قائلا: إن كلا من هذه الاوضاع الثلاثة سيكون دالة على شكل واتجاه المسار الذي سوف تتخذه روسيا بوتين في مستقبل الايام. ملحوظة: (ولأنه جاسوس سابق محترف لايزال فلاديمير بوتين يشكل لغزا أو شبه لغز امام المراقبين والمحللين السياسيين)