يبدو واضحا ان اسرائيل وهي تتحدث عن السلام والانسحاب من لبنان تصر على دفع المنطقة نحو مزيد من التوتر والعنف, وربما الى حرب دامية. وهي فوق ذلك تسعى الى استغلال الأمم المتحدة وتحويلها إلى (شاهد زور) مثل الولايات المتحدة التي تتبنى كل باطل اسرائيل ومواقفها المعادية للسلام العادل. فقد بات مكشوفا الآن أن ما حمله كلينتون من اسرائيل الى قمة جنيف كان غريبا وعارا على السلام, حيث طالب سوريا بالموافقة على صيغة للانسحاب تبقي سيطرة اسرائيل على بحيرة طبريا وعلى كل مياه الهضبة السورية ودون حسم للموقف تجاه المستوطنات. وبالتأكيد لم يكن أمام الرئيس الأسد إلا أن يرفض هذه المهزلة او مناقشتها من حيث المبدأ, ففضلا عن قضية السيادة الوطنية التي لا تساوم عليها سوريا بتاتا هناك ما يقرب من نصف مليون من ابناء الجولان ينتظرون بفارغ الصبر العودة الى ديارهم, فهل يعودون ليعيشوا دون ماء أو زراعة أو غذاء أو مورد رزق ومصدر حياة؟!! ذلك مستحيل بالطبع. ولكن الغريب ان واشنطن بدل ان تستحي من نقل مثل هذه الافكار والخرائط المجحفة والمضللة, وتحترم الموقف السوري الرافض بالحق والمدعوم عربيا.. سارعت على لسان رئيسها الى تحميل سوريا مسئولية فشل قمة جنيف. والأخطر من ذلك ان واشنطن عمدت ايضا الى تبني وجهة النظر الاسرائيلية من قضية الانسحاب من جنوب لبنان, وهي تعلم أن اسرائىل لا تريد الانسحاب الى الحدود الدولية تطبيقا لقرار مجلس الأمن رقم 425 الذي كانت الولايات المتحدة من أبرز الموقعين عليه, وأن اسرائيل ـ كما أعلنت ـ تريد ترك مساحات لعملائها في الجنوب, كما تريد الاستئثار لنفسها بمساحات أخرى, بحيث جعلت من نفسها وصية على تحديد الحدود ورسم خرائطها بمنطق وأسلوب (البلطجي) الذي يستعرض قوته المستوردة من أمريكا ويريد ان يأمر فيطاع!! ورغم كل هذه الاعتبارات انطلق الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الى جنيف للقاء ديفيد ليفي ومناقشته حول (دور المنظمة الدولية اثر الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان) والتي وصفها الوزير الصهيوني بأنها (بناءة جدا) !! وحسنا فعل الأمين العام للأمم المتحدة حين اعترض على اصرار اسرائيل على ابقاء احتلالها لمساحة تصل الى 137 كيلومترا من أرض الجنوب ومنابعه المائية, واصرارها على رسم الحدود كما تشاء. لكن ما يثير القلق ان اسرائيل تريد أن تجعل من مثل هذه المفاوضات, ومن دعواتها الى زيادة دور الامم المتحدة في جنوب لبنان ضبابا ودخانا يخفي حقيقة مواقفها العدوانية ومطامعها التوسعية بما يتناقض جذريا مع دور الأمم المتحدة وميثاقها وقراراتها التي نصت على أن السلام العادل لا يتحقق إلا بإنسحاب اسرائيلي شامل من كل الأراضي العربية المحتلة في يونيو 1967 وإعادة الحقوق السياسية والإنسانية للشعب العربي الفلسطيني. وأي دور دولي دون ذلك يتعارض مع وظيفة الأمم المتحدة التي تصر واشنطن من أجل اسرائىل على جعلها مجرد امتداد للولايات المتحدة ومواقفها الظالمة المنحازة, ومن الواجب ألا تتحول المنظمة الدولية الى (شاهد زور) يحمي الظلم ويدفع الى الحرب لا الى السلام.