محمد عثمان الميرغني تحالف مع نظام نميري ليس كرئيس حزب ـ فقد حظر نميري الاحزاب ـ وإنما كزعيم طائفة. وبهذه الصفة دعم نظاما استبداديا مواليا للولايات المتحدة حتى نهايته. خلال عاميه الاولين ـ 1969 الى 1971 ـ كان الشيوعيون هم القوة السياسية المسيطرة على النظام. وعلى هذا الأساس تبنى النظام توجها اشتراكيا في الداخل وتحالفا ايديولوجيا مع الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي على الصعيد الخارجي. هذه الصورة انقلبت رأسا على عقب بعد يوليو 71 عندما غدر نميري بالشيوعيين وقضى عليهم سياسيا بصورة حاسمة. ومن ثم دخل السودان تحت المظلة الامريكية, وصار جعفر نميري اقرب الى موظف لدى الادارة الامريكية منه كرئيس دولة. هذا هو الظرف الذي قرر فيه محمد عثمان الميرغني الانضمام الى نظام نميري ووضع نفسه وطائفته تحت خدمته. ومما رسخ تبعية النظام للولايات المتحدة تغير البيئة الاقليمية المحيطة برحيل جمال عبدالناصر في السنة السابقة ووصول انور السادات الى السلطة. ومن المفارقات المثيرة ان انقلاب نميري على الشيوعيين في يوليو 71 سبقه بشهرين فقط انقلاب السادات على اليساريين والناصريين وتصفية وجودهم في أجهزة السلطة. واذا كان السادات قد سبق نميري في التصفية الداخلية فان نميري سبقه في القطيعة الخارجية مع الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي. بالطبع لم يكن متاحا لمحمد عثمان الميرغني ان يشارك بفاعلية في آلية صنع القرار في سلطة نميري فقد كان نميري دكتاتورا فرديا يتخذ قراراته بنفسه. كان دور الميرغني ينحصر في حشد جماهير طائفة (الختمية) لاضفاء شرعية شعبية على السلطة النميرية من ناحية وفي مشاركته الشخصية في العضوية القيادية للاتحاد الاشتراكي السوداني الذي أنشأه نميري كحزب قومي جامع لاضفاء مسحة ديمقراطية ديكورية للنظام. وعلى هذا النحو كان الميرغني عضوا بارزا في (اللجنة التنفيذية) التي تشكل قيادة الحزب الجامع برئاسة نميري نفسه. كان نميري يجمع هذه اللجنة بصورة منتظمة لتمرير قرارات متخذة سلفا. تلك كانت الفترة التي تعارف فيها الميرغني سياسيا مع د. منصور خالد الذي كان يزامله العضوية في اللجنة التنفيذية للاتحاد الاشتراكي. كان د. منصور خالد هو الشخصية التي انتقاها نميري انتقاء لتتولى الشئون الخارجية بعد حلول عهد التوجه صوب الغرب والولايات المتحدة بصفة خاصة, فقد حل منصور خالد محل وزير الخارجية الشيوعي (آنذاك) فاروق ابو عيسى. وعلى هذا النهج مضى النظام في مسيرته خاضعا تماما للنفوذ الامريكي وتحت حماية نظام السادات الذي صار بدوره اهم حليف للولايات المتحدة في المنطقة بعد اسرائيل. ولمدى الاربعة عشرة سنة التالية حتى عام 1985 ظلت طائفة (الختمية) بزعامة محمد عثمان الميرغني توفر القاعدة الشعبية الرئيسية للنظام. بالطبع استقطب نظام نميري عبر مسيرته الطويلة من عام 1969 الى عام 1985 قوى سياسية شعبية اخرى في ظروف متتالية, بغرض استغلالها وقتيا ومرحليا. تحالف نميري اولا مع قسم من الحزب الشيوعي للبطش بطائفة (الانصار) و(حزب الامة) .. ثم بطش بالحزب الشيوعي نفسه. وتصالح لاحقا مع (حزب الامة) واختلف معه وأبعده.. وأخيرا تحالف مع (الجبهة القومية الاسلامية) عندما تبنى اجندة اسلامية لغرض اطالة عمر النظام. لكن طائفة (الختمية) بزعامة محمد عثمان الميرغني هي القوة السياسية الوحيدة التي احتفظت بولائها الكامل لنميري لمدى 16 عاما من البداية الى النهاية.