ما بين عام 1964 وعام 1969 ـ فترة الديمقراطية الثانية ـ عاش آل الميرغني أتعس لحظات حياتهم معزولين عن الحكم وعن الشارع في آن معا لدرجة انهم: اضطروا الى الدخول في تحالف وقتي مرحلي مع الشيوعيين. مع عودة الاحزاب الى مسرح السياسة نفخ السيد علي الميرغني الروح مرة اخرى في حزب الاسرة ـ (حزب الشعب الديمقراطي) ـ ولكن الاسرة والحزب كانا قد خرجا من تجربة الحكم العسكري الذي اطاحت به انتفاضة اكتوبر 64 مغضوبا عليهما شعبيا لدرجة أنهما تهيبا دخول اختبار الانتخابات العامة في السنة التالية. وكانت النتيجة انه بينما تحالف (الحزب الوطني الاتحادي) (حزب أزهري) مع (حزب الامة) في ائتلاف حكومي انفرد بالسلطة لم يكن لحزب الشعب الديمقراطي ممثلون في البرلمان فمقاطعته للانتخابات لم تزده إلا عزلة على عزله. وأثناء انشغال الحزب بممارسة معارضة يائسة كانت صحة عميد آل الميرغني السيد علي في تدهور مستمر بعد ان تجاوز الثمانين مما جعل نشاط الحزب يدور في فراغ وتخبط في غياب توجيهات السيد الذي كانت حالته تقترب من الموت. وحتى هذا الوقت المتأخر بعد تسع سنوات من استقلال البلاد ظل السيد محمد عثمان الميرغني الابن الاكبر لعميد الاسرة وشقيقه السيد احمد الميرغني بعيدين تماما عن دنيا السياسة وكأنها شأن لا يعنيهما على الاطلاق رغم ان الابن الاكبر كان في عام 1965 قد بلغ الثلاثين. في عام 1968 مات السيد علي الميرغني. وترتب على رحيله نتيجتان: أولا, بالنظر الى استمرار ابتعاد الابن الاكبر السيد محمد عثمان عن السياسة نهائيا ظل الحزب فاقدا لبوصلته. ثانيا رحيل السيد علي ادى لانهاء حالة العداء الراسخ بين آل الميرغني من ناحية واسماعيل الازهري وحزبه من ناحية اخرى مما هيأ ظروفاً جديدة مواتية لعودة الود بين الطرفين. وافضى الود الى تصالح ادى الى دمج الحزبين في حزب واحد تحت اسم جديد: (الحزب الاتحادي الديمقراطي) . كلمة (الاتحادي) اخذت من اسم (الحزب الوطني الاتحادي) .. وكلمة (الديمقراطي) أخذت من اسم (حزب الشعب الديمقراطي) للوصول الى الاسم التوفيقي (الاتحادي الديمقراطي) وفي غياب عميد الاسرة الميرغنية وزهد العميد الوريث السيد محمد عثمان الميرغني في السياسة انتقلت الزعامة العليا للحزب الجديد الى اسماعيل الازهري. وبذا, وللمرة الاولى, تفقد اسرة الميرغني نفوذها في دنيا السياسة السودانية. لكن هذا الوضع لم يكن مكتوباً له أن يستمر لأمد طويل. في أقل من سنة على رحيل السيد علي الميرغني وتدهور نفوذ الميرغنية.. وفي صبيحة يوم 25 مايو 1969 اعلن العقيد جعفر محمد نميري من الراديو أن الجيش استولى على السلطة.. وفي بيانه سرد الاجراءات التقليدية في مثل هذه الاحوال.. ومن بينها حل الاحزاب السياسية.. والتحفظ على قادتها توطئة لتقديم بعضهم الى محاكمات. انقلبت الصورة تماما ليس فقط من حيث شكل الحكم وانما ايضا من حيث المضمون السياسي. وبالصفة الاخيرة كان انقلابا لصالح آل الميرغني. ومرة اخرى يدخل آل الميرغني في تحالف مع نظام انقلابي عسكري.. ويدعمونه حتى آخر لحظة. وآخر لحظة هذه لم تحل إلا بعد 16 سنة. وفي خطٍ موازٍ شن الانقلابيون حملة مسلحة دموية على طائفة (الانصار) وآل المهدي ترافقت معها حملة تدمير لقواعدهم المادية والاقتصادية. هذه هي الظروف التي قرر فيها محمد عثمان الميرغني ان يدخل دنيا السياسة للمرة الأولى في حياته. فدخل واضعاً نفسه تحت خدمة نميري ونظامه.