في مذكراته الهامة التي أصدرها قبل سنوات تحت عنوان (مذكراتي في السياسة والثقافة) يروي الدكتور ثروت عكاشة قصة دخوله الوزارة لأول مرة قبل أكثر من أربعين عاما. وكيف فوجئ وهو سفير لمصر في روما بخبر تشكيل وزارة جديدة في أكتوبر 58 وتعيينه وزيرا للثقافة فيها. وكيف لم ينم ليلته لأن منصب الوزير لابد ان يدخل به عالم السياسة الذي لايتفق مع طباعه, وهو الأمر الذي جعله بعد نجاح الثورة يتنازل طواعية عن مكانه الذي تبعده عن غابة السياسة وما فيها من صراعات وحشية. ويواصل ثروت عكاشة ذكرياته فيقول: (انتهيت إلى أنه لابد لي من ان أعود إلى مصر قبل مرور أربع و عشرين ساعة ومقابلة الرئيس (عبدالناصر) راجيا اعفائي من شغل منصب الوزير) . وبالفعل طار ثروت عكاشة إلى القاهرة واستقبله الرئيس على الفور, وكان لقاء هاما في تاريخ الثقافة في مصر. يقول عكاشة: (أدرك عبدالناصر منذ مصافحتي كل ما أضمر وكأنه يقرأ أعماقي, وأخذ يفيض في السؤال عن أسرتي وصحتهم وأحوالهم ليؤجل مناقشة يعرف أنها ستكون طويلة وشاقة. حتى إذا انتقلنا إلى جوهر الحديث وصارحته باضطراري إلى الاعتذار عن قبول المنصب الذي لم أستشر في أمر إسناده الي, ولا تقاعسا عن عمل جاد بل تحاشيا لوقوع صدام محتمل بيني وبين الشلل والجماعات المتسلطة. ويروي عكاشة كيف استمع عبدالناصر إلى حديثه, ثم جاء رده الهام حين قال: ) أصارحك إني لم أدعك لشغل وظيفة شرفية, بل إني أعرف أنك ستحمل عبئا لايجرؤ على التصدي لحمله إلا قلة من الذين حملوا في قلوبهم وهج الثورة حتى أشعلوها, وأنت تعرف ان مصر الآن كالحقل البكر, وعلينا ان (نعزق) تربتها ونقلبها ونسويها ونغرس فيها بذورا جديدة لتنبت لنا أجيالا تؤمن بحقها في الحياة والحرية والمساواة.. إن مهمتك هي تمهيد المناخ اللازم لاعادة صياغة الوجدان المصري, وأعترف ان هذه أشق المهام وأصعبها, وأن بناء آلاف المصانع أمر يهون إلى جانب الاسهام في بناء الانسان نفسه. ولو ان سفيرا يستطيع ان يؤدي ثلاثين في المئة مما قمت به أنت في روما فحسبه هذا. إن لك دورا تخدم به الوطن في الداخل أهم من دورك في الخارج, وأحب ان أبوح لك بأن على بابي هذا نحواً من عشرين متطلعاً إلى منصبك هذا. وهنا يحاو ل عكاشة ان يجد ثغرة, فيعاجل بالقول: إذن امنحه أحدهم فأنا غير راغب فيه, فضلا عن أني لا آمن من تلك السهام الطائشة التي سوف توجه اليّ من ذوي الأغراض. ويرد عبدالناصر: ومن منا يعمل آمنا من السهام المعادية؟ أولا تذكر أننا خرجنا ليلة 23 يوليو 52 نحمل أرواحنا على أكفنا, وكل منا يضع في احتمالاته ألا يعود سالما إلى أسرته. إن عزم المسئولية جدير بأن يثير في نفسك ما عهدته فيك من إقدام.. ثم.. ما الذي ستفعله في وزارة الثقافة غير تحقيق أحلامك التي طالما كنت ترويها على مسامعي قبل الثورة وبعدها. ولا أخفي عليك إن كل حديث كان يدور حول تنمية الثقافة والفنون كان يجعل صورتك تتراءى في خيالي, وأذكر حديثنا قبل الثورة عن انحصار المتعة الثقافية وبخاصة الفنون الراقية في رقعة ضيقة لاتنفسح إلا للأثرياء, وكيف ينبغي ان تصبح الثقافة في متناول الجماهير العريضة وأن تخرج من أسوار القاهرة لتبلغ القرى والنجوع, فمن بين أبناء هذه القرى الغائرة في أعماق الريف بالدلتا والصعيد يمكن ان يبزغ عدد من الفنانين الذين يعكسون في إبداعهم أصالتهم الحضارية, ويبدو لي ان الأوان قد آن لتحقيق هذا المطمح, وقد كنت أنتظر هذه اللحظة لأسند اليك مهمة وزير الثقافة. ولا تتصور أني كنت أوفدك في مهام مؤقتة إلى عواصم أوروبا أو في مهام طويلة كعملك الدبلوماسي في باريس وروما دون ان أضع في اعتباري ما تتيحه لك هذه الفرص من دراسة الأنشطة الثقافية والفنية في أهم عواصم الفنون والثقافة في العالم. وانني أرى أنه مازالت أمامك رحلات أخرى في عواصم أخرى تضيف إلى حصيلتك في هذا المجال زاداً جديداً. لكنك ستقوم بهذه الرحلات بوصفك وزيراً للثقافة, وهو ما سيتيح لك فوائد أعظم وأنت تشيد أبنية الثقافة والفن في مصر. ويستمر الحوار الطويل أربع ساعات, ومع ذلك لايرضخ ثروت عكاشة, ويطلب في النهاية منحه فرصة ليعيد النظر في الموقف.. ويوافق عبدالناصر على منحه يوما أو اثنين.. وفي صباح اليوم الثالث يكون عبدالناصر على الهاتف يسأله عن القرار, ويزيل ما بقي من التردد الذي يندم ثروت عكاشة بعد ذلك على أنه عاش لحظاته, حين تسلم المسئولية وبدأ في قيادة ملحمة ثقافية رائعة لم يكن فيها يعبر عن طموح شخصي ولا عن مشروع فردي, بل كان يعبر عن رؤية ثقافية هي جزء من المشروع القومي العظيم الذي قاده عبدالناصر في تلك المرحلة, والذي كان يسعى لتحقيق النهوض العربي وتعويض سنوات التخلف والقهر الطويلة, وبناء المستقبل الذي يحقق حرية الوطن و سعادة المواطن, والذي يحقق للعروبة أهدافها الأصلية ويعطيها في نفس الوقت بعدها الانساني. وكانت الثقافة والفنون جزءا من هذه الرؤية الشاملة, وكان وجود ثروت عكاشة في وزارة الثقافة علامة فارقة على ان المشروع الحضاري للثورة قد بدأ يكتمل. ولعل حوار عبدالناصر وعكاشة في حد ذاته يجيب عن سؤال كان يحوم في تلك الأمسية الرائعة التي شهدتها القاهرة أخيرا لتكريم المثقف العظيم ثروت عكاشة: ماذا لو أصر عكاشة على الاعتذار عن منصبه قبل أربعين عاماً, ولم ينجح حوار الساعات الأربع مع عبدالناصر في ازالة تردده؟! المهم ان الظرف التاريخي والأرض الممهدة والمهمة الجسورة والرجل المناسب قد التقوا جميعا في تلك اللحظة, ليصنعوا جميعا معالم نهضة ثقافية كان لها ومازال أعظم الآثار في العقل والوجدان العربيين.. *** في تلك الأمسية الجميلة التي شهدتها احدى قاعات فندق شهير على نيل مصر, والتي كانت صاحبة المبادرة فيها هي الدكتورة سعاد الصباح. كانت مصر كلها هناك.. بمختلف تياراتها الفكرية وبكل رموزها الابداعية. وكان الحديث كله عن الرجل ومشروعه الثقافي الذي مازال يعمل فيه حتى الآن بدأب وحماس على أبواب الثمانين. وفي الأحاديث التي دارت, وفي الكتاب التذكاري الفخم الذي صدر بهذه المناسبة كان الكل يتبار( في تسليط الضوء على فارس الثقافة الذي حفر اسمه سواء بابداعه الشخصي أو بانجازه العملي ضمن الكبار من أصحاب المشاريع الثقافية الهامة كطه حسين وقبله رفاعة الطهطاوي. هؤلاء الكبار الذين أحدثوا نقلات هامة في الثقافة العربية الحديثة, وساهموا بالابداع والعمل التنفيذي معا في تفجير طاقات الابداع ونشر روح التنوير مع الاحتفاظ بكل ماهو أصيل وجميل في حضارتنا. بهذه الروح انطلق ثروت عكاشة في تنفيذ مشروعه الثقافي الذي كان جزءا من مشروع ثورة يوليو الحضاري.. وبفهم عميق لروح مصر ورسالتها استطاع ان يزاوج بين أعظم ما في تراثنا العربي, وبين ما نستطيع ارتشافه من تراث الانسانية. وساعده في ذلك ان مشروع النهضة القومي لم يصدر عن عنصرية أو استعلاء, بل كان يتسم بالانسانية العميقة والانفتاح على حضارات العالم المختلفة. في سنوات قليلة بنى ثروت عكاشة المعاهد الفنية التي شكلت بعد ذلك أكاديمية الفنون.. معاهد للمسرح والسينما والباليه والموسيقى.. وفي الوقت الذي كان ينشىء الأوركسترا السيمفونية كان يقف بكل قوة وراء البعث الجديد للفنون الشعبية والتراثية في فرق الموسيقي العربية والرقص الشعبي وكان زكريا الحجاوي رحمه الله يطوف القرى والنجوع ليأتي بالمنشدين الشعبيين ويضعهم على أعظم مسارح العاصمة. وفي نفس الوقت كانت الثقافة تغزو الريف, وكانت قصور الثقافة الجماهيرية تنشر أجمل ما في التراث العربي والانساني, وتفجر طاقات الابداع في شباب ظل لعهود طويلة محروما من كل شئ.. من لقمة الخبز إلى نور العلم إلى ابداعات الفنون. وكان طبيعيا في هذا المناخ الجميل ان تزدهر أعظم نهضة مسرحية وسينمائية, وأن يجد جيل جديد من الكتاب والروائيين والمسرحيين والشعراء والفنانين الفرصة لكي يعبروا عن رؤاهم الابداعية الجديدة في كل المجالات.. صلاح عبدالصبور وعبدالمعطي حجازي في الشعر, ونجيب محفوظ ويوسف ادريس في الرواية والقصة, ونعمان عاشور وسعد وهبة والفريد فرج في المسرح, وعبدالحليم والطويل والموجي في الموسيقي والغناء. كلهم كانوا طلائع لهذا الجيل الذي كان على موعد مع محاولات النهضة بكل ما فيها من معارك وآلام وتضحيات ومخاطر, وانتصارات وهزائم. ولقد واجه عكاشة وهو يمارس دوره الهام والخطير الكثير من العقبات التي توقعها, واضطر بعد ذلك لترك موقعه ثم العودة اليه مرة أخرى, ولكنه استطاع ان ينجز المهمة إلى حد كبير, ولم يكن وحده بالطبع, فقد كان في موقع المسئولية بجانبه كوكبة من المثقفين بدءا من يحيى حقي ونجيب محفوظ وسهير القلماوي وحسين فوزي إلى لويس عوض ومحمود العالم وعلي الراعي وسعد وهبة وغيرهم من مختلف الأجيال والتوجهات.. كلهم أنصهروا في بوتقة الثورة ومشروع النهضة ورسالة التنوير, ليس بالابداع ا لفردي فقط, ولكن بوضع كل الجهد في العمل التنفيذي ليرتفع البناء الثقافي ويترسخ في الأرض, ولو على حساب ابداعهم الفردي. ولأنهم كانوا يدركون عمق المقاومة وضراوة محاولات التخريب, فقد كانوا يعملون بمنهج ترسيخ ما يبنونه في التربة الثقافية المهيأة, حتى يستطيع مواجهة العواصف وهزيمة محاولات التخريب. ووسط هذا كله, كانت المعركة الشهيرة لانقاذ آثار النوبة والتي قادها عكاشة ببراعة, ورفض العرض الأمريكي بنقل أبوسمبل إلى أمريكا مؤكدا: ان تاريخ الأسلاف ليس للبيع.. وفي ظروف اقتصادية صعبة استطاع عكاشة ان يجند المثقفين في العالم كله معه وأن يضمن مساهمة وتأييد اليونسكو, وأن يحقق ما يشبه المعجزة بانقاذ هذا الجزء الهام من تاريخ مصر الحضاري. هذا هو الجانب التنفيذي من مشروع عكاشة, وهو لاينفصل بالطبع عن الجانب الابداعي من المشروع. هذا الجانب الذي بدأه بالترجمة قبل الثورة ثم أفرغ طاقاته خاصة بعد ان ترك مسئولياته الوزارية, ليخرج علينا بأعماله الكبيرة وفي مقدمتها موسوعته العظيمة عن فنون الحضارات الكبري والتي قدمت مؤسسة السويدي في الامارات بعض أهم أجزائها في طبعة فاخرة منذ سنوات, اعترافا بفضل الرجل وبقيمة العمل الكبير الذي تعجز عن القيام به مؤسسات ثقافية بأكملها. والذي اختار له عنوانا جميلاً معبراً وهو (العين تسمع والأذن ترى) ليعبر عن نظرة شاملة تؤمن بوحدة الفنون وبإنسانية الحضارة وعالميتها. * * * ولم يكن احتفال المثقفين المصريين والعرب في تلك الأمسية الرائعة مجرد احتفال بمثقف عظيم, ولم يكن مجرد حنين لتلك الأيام الصعبة والجميلة التي تم فيها وضع البنية الأساسية لنهضة ثقافية لم نستطع استكمالها بعد ذلك لظروف عديدة. ولكن الاحتفال كان بالنسبة لي وللكثيرين صرخة احتجاج على الكثير من (القبح الثقافي) الذي يحاصرنا الآن, ودعوة أصيلة لاستكمال المهمة و السير في طريق الثقافة الحقيقية التي تنحاز لهويتها بمقدار تمسكها بوجهها الانساني ورسالتها الأصيلة. شكرا لمن كانوا وراء الاحتفال. للدكتورة سعاد الصباح, وللدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي في مصر الذي وضع الاحتفال تحت رعايته, في حين غابت وزارة الثقافة ووزيرها عن احتفال المثقفين بمثقف عظيم.. ربما خوفاً من المقارنة التي توجع القلب. شكرا لرعاة الاحتفال, وللمثقفين الذين حضروا وشاركوا بابتهاج حقيقي, ولكل من أتاح لنا الفرصة لكي نقول لثروت عكاشة القليل مما يستحقه.. شكراً وعرفاناً..