بقلم: د. محمد الرميحي من شدة ظلم وظلام الحاضر السياسي العراقي ينزع بعض الكتاب العراقيين الى توصيف انظمة سياسية سابقة مرت على العراق بصورة خرافية من العدالة الناصعة والبساطة وانتشار الحرية, وتشير بعض الكتابات الى مرحلة نوري السعيد او عبدالكريم قاسم بشيء كثير من القداسة والترفع عن الصغائر. وربما جاء ذلك من قبيل احترام الماضي او البكاء عليه عطفا على ما يشاهد من ممارسات في الحاضر ونفورا منها. وهناك قصة تواترت وذكرها عدد من الكتاب العراقيين تنقل عن عصر عبدالكريم قاسم مفادها انه وهو يطوف احياء بغداد ومحلاتها في جولاته التفقدية, توقف امام فران يصنع ويبيع الخبز للناس, وأمام باب الفرن صورة كبيرة للزعيم (الأوحد) بحجم ما فوق الطبيعي ملصقة على مسند خشبي كبير, وطلب الزعيم عينات من الخبز لاختبارها حيث انها تخص قوت الشعب اليومي فجاءت العينات صغيرة وضامرة, فما كان من عبدالكريم قاسم إلا ان قال لصاحب الفرن كما نقل عنه: (صغر حجم صورتي وكبر رغيف خبزك) ! في الغالب ان هذه الصورة التي نقلت بعد مقتل عبدالكريم قاسم بسنوات عدة وذكرها الكتاب العراقيون تمجيدا للزمن القديم, فيها مبالغة ما, ولكن بالعودة للكثير مما كتب عن فترة الملكية في العراق وحكم نوري السعيد تحديدا, وما تركه من بعده من حطام الدنيا, نلحظ دلالة قاطعة على هذه النوستالجيا التي اصابت شرائح واسعة من العراقيين وجعلتهم يحنون الى الماضي (الجميل) الذي لن يعود مقارنة في اذهانهم بالحاضر المعذب والكئيب. نقلت وكالات الانباء اخيرا نتائج الانتخابات التي اجريت بين المرشحين للمجلس الوطني العراقي والتي تمت اخيرا, ليتبين ان نجل الرئيس العراقي عدي صدام حسين حصل على 99.99 في المئة من الاصوات في دائرته الانتخابية وهي النسبة التي لم تسجل في تاريخ الانتخابات في اي مكان او زمان في التاريخ البشري الحديث مما اضاف حسرة على حسرة. لقد لفتت هذه النسبة الهائلة من الاصوات التي حصل عليها عدي الابن الاكبر للرئيس العراقي نظر العديد من المراقبين للتعليق عليها وتوصيفها وتحليل خلفياتها. وقد توصل الكثير منهم الى نتيحة مباشرة هي عدم تصديقها. وأود أن اخالف كثيرا منهم ممن كتب في هذا الاتجاه فأنا اعتقد ان النسبة مقاربة لما اعلن, وذلك لسبب واحد هو انعدام ولو هامش بسيط من الحرية في العراق يمكن اي ناخب من من ان يعبر عن رأيه المخالف دون ان يتعرض للعقوبة المغلظة, فذلك معدوم قطعيا, حيث الخيار المتاح واحد من جهة وسيف السلطة المعلق على الرقاب من جهة اخرى لم يدع مجالا للناخب البسيط والمقهور الذي ذهب الى صندوق الانتخاب تحت اعين المدققين ورقابتهم الصارمة, إلا ان يقول (نعم) كبيرة لابن الرئيس, بل ألف (نعم) ايضا اذا لزم الامر! من المفارقة المرة انه في الاسبوع نفسه الذي حملت فيه انباء العراق النتائج الباهرة لفوز عدي صدام حسين حملت الانباء ايضا احداثا لافتة للنظر يتحدث احدها عن ان طبيبا عراقيا توصل الى علاج مبتكر يستنغي به قصير النظر وطويله ايضا عن النظارات الطبية, عبر (تكثيف عضلات العين اراديا)! هذه (الارادة) التي توصل اليها الطبيب العراقي المثابر, هي بالتحديد التي سلبت من الشعب العراقي, فأصبح شخص يحمل مثل تاريخ سعدون حمادي الطويل في الحزب والادارة والموافقة ـ بقطع النظر عن تقييمنا لهذا التاريخ ـ يأتي في تدرج النتائج الانتخابية بعد عدي ابن الرئيس بمراحل كثيرة, وهو دليل آخر على الاستهانة والاذلال الشخصي المعنوي المنقطع النظير للمواطن العراقي. مثل هذه النتائج الانتخابية السالبة للارادة الحرة, تصل بنا الى القول ان اهم ما حدث للشعب العراقي ليس فقط تجويع جماهيره العريضة وتعريضه للابادة والاذى عن طريق التضحية بمصالحه العليا في سبيل رفع شعارات فارغة المحتوى, ولكن الاهم ايضا هو انتزاع مقاومة الشعب العراقي وقدرته على مقارعة الشاذ من الامور واضعاف مواجهته للتعسف, وهو الشعب المعروف تاريخيا بنزعته الطبيعية للجدل والمناقشة وعدم الاستسلام وبعده النسبي عن الرياء والمداهنة, وطبيعته التعددية الضاربة في التاريخ, هذا السلب وضعف المقاومة هو ما تم تكريسه في الفترة السائدة من تاريخ العراق السياسي. ان انتزاع المقاومة من الشعب العراقي سببه الخوف على الذات الذي نجح فيه النظام بعد تراكم طويل من الممارسة المتعسفة في الانتقام من الخصوم السياسييين واهدار الضمانات القانونية في تسريبه للشخصية العراقية المعاصرة ونجح جزئيا بزرع ذلك عن طريق الترهيب والترغيب, الا ان الموافقة الظاهرية لم تنزع من الانسان العراقي حبه الطبيعي للتساؤل والمخالفة والاحتجاج ودليلنا على ذلك تقرير رسمي عراقي نقلته لنا الانباء اخيرا من العراق ونشرته صحف عدة وفي الاسبوع نفسه. يقول التقرير ان هناك مليونا ونصف مليون عراقي غادروا العراق في السنوات العشر الاخيرة, معظمهم من المؤهلين كالمهندسين والاطباء والمعلمين والصحافيين وحملة الشهادات العليا. والمرجح ان تلك الهجرة التي تكمل سلسلة طويلة من الهجرات منذ العقد السابع من القرن العشرين جلها ان لم يكن كلها انما قصدت البحث عن الحرية التي يتوق اليها العراقيون, بعد ان اغلقت في وجوههم سبل التعبير الصحي والعراقيون من الشعوب المعروفة بتمسكها بالارض وبأنهم لا يغادون ارضهم الا لاسباب قاهرة منها البحث عن الحرية. ليس هناك من معنى لما حدث في نتائج الانتخابات العراقية, خاصة الفوز الكاسح لعدي, كما علق اكثر من معلق عربي او اجنبي, الا الابتذال لشيء اسمه الانتخابات والديمقراطية والحط من قدرها في ساحة الشمولية العربية الضاربة في التجاهل لمتطلبات العصر, واختزال قيمة كبيرة هي الديمقراطية الى درجة المسخ, وهي قيمة وممارسة تنادي بها البشرية ـ ولا تزال ـ كمخرج مما يعانيه الانسان من اضطهاد وقمع وتحويل هذه القيمة الانسانية الى قاع التبضع الدعائي الذي لا يستطيع قبوله حتى الجاهلون والسذج الذين لا يدرون بما يدور حولهم في عالمنا اليوم. التفاصيل المقبلة من بغداد هي اقرب الى الملهاة منها الى المأساة. فقد استبقت مجلة (الاتحاد) الاسبوعية الصادرة عن اتحاد الصناعات العراقي نتائج الانتخابات بتوقع حصول عدي صدام حسين على هذه النتيجة الباهرة, وكان ذلك قبل اعلان النتائج فهو يشغل اربعة عشر مركزا من مراكز المسئولية الكبيرة: فهو نقيب الصحافيين العراقيين, وقائد كتائب فدائيي صدام حسين, ورئيس اللجنة الاولمبية, واتحاد كرة القدم ورئيس مجالس الادارة لسبع مجلات اسبوعية, وصحيفة يومية هي (بابل) ومحطتي اذاعة وتلفزيون الى جانب مهامه الكثيرة الاخرى. وليس من المستبعد ان يصبح عدي صدام حسين رئيسا للمجلس الوطني العراقي في القادم من الايام او على الاقل رئيسا لاحدى لجانه المهمة التي يتحتم عليها الاحتكاك بمثيلاتها العربية او العالمية وهو الذي اتهم شخصيا في وقت سابق بقتل مرافق والده, كما طالب وقتها وزير العدل بالصفح عنه! وتبدو بعد ذلك تناقضات التعامل على المستوى العربي والعالمي مع مثل هذه الشخصية معقدة ومرتبكة, في بيئة عالمية ما فتئت تدفع بقضايا حقوق الانسان الى رأس الاجندة السياسية والاجتماعية الدولية وتدور بها في بقاع الدنيا معلنة تنافر الحياة الحديثة مع ما يناقضها. يخلط بعضنا عند المطالبة بممارسة حقوق للانسان العربي بمعناها العام بين (الحريات) و(الحقوق) الاساسية, وان كان البعض يتجاوز مقولة (الحريات) الاساسية على انها جنين لم يكتمل بعد في اماكن عدة من اوطاننا العربية, إلا ان (الحقوق) الاساسية هي مقدسة سنتها الشرائع الدينية والمناهج الوضعية والمواثيق الدولية, وهي تتعرض لانماط ثابتة من الانتهاكات, على رأسها استلاب حياة انسان دون مساءلة سابقة. انها صورة قاتمة وكئيبة لتجربة الديمقراطية في العالم الثالث تتراءى امامنا, وتفرض نفسها على مجمل العمل السياسي الذي تتعاطاه هذه الدول, في مثل هذه النتائج الانتخابية التي توصل عدي صدام حسين بهذه النسبة غير المسبوقة, وهو الذي خلط بشكل واضح في تصريحات كثيرة وعلنية بين الدولة والحزب الواحد والقرابة الدموية في عالم العراق اليوم والتي من شأنها تعميم التعسف السياسي والقانوني والقمع والعقاب الجماعي وزيادة معاناة العراقي البسيط فوق ما يعانيه من أهوال. في نفسي حسرة على أولئك المهتمين العرب ـ ولا اجد وصفا آخر لهم ـ الذين ساروا وحدانا او جماعات من عواصم عربية لشهود الانتخابات الاخيرة في العراق واعتقد ان حضورهم للشهادة على انتخابات من هذا النوع قد اضاف مرارة على مرارة في حلوق العراقيين العاديين لانهم غدوا اقرب الى شهود الزور, على انتخابات (تدعي) ديمقراطية يعرفون هم انها مفرغة من محتواها!