تحدث العالم كثيرا عن ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية, خاصة بعدما تحولت من مجرد ثورة إلى واقع متحكم في اقتصاديات وسياسات وعقول الناس والدول, وبعد ذلك صرنا نهذي بانجازات ثورة وسائل الاتصال والاعلام, ثم وبعد ان اتاحت التكنولوجيا نفسها لكل الناس في كل مكان, لم يعد بوسع انسان على وجه الارض ان يخفي انبهاره وامتنانه لهذا الشعور الغامر بالتفلت والخلاص من كل اشكال القهر وقمع حرية المعرفة والحصول على ادق المعلومات, وايضا ممارسة فضيلة كانت منسية في عالمنا منذ قرون: الجهر بالرأي الآخر! من هنا يأتي سؤالنا دائما, وسيظل ينهمر طالما آمنت السلطات بحريتها المطلقة في اختراق حقوق الانسان دون رادع, وحرية القول والتعبير احد اهم حقوق الانسان المنتهكة, وتحت حماية النفوذ, يظل السؤال قائما فيه شيء من السذاجة ـ ربما ـ وبه كل الرغبة في الوصول إلى شكل جميل من التوافق والتصالح الاجتماعي, والسؤال: لماذا تخشى السلطة من الرأي الآخر؟ ومن أوهمها بأن نهايتها في منطقة الرأي الآخر؟ ومن أقنعها بضرورة تلبس الشراسة ازاءه لكي تبقى وتستمر؟ ومن هذا الذي يضع كل السواتر حتى لا ترى ما آلت إليه آلة تكنولوجيا الاتصال الرهيبة في زماننا, وفي يومنا هذا من نفوذ وسلطان على عقول الناس وقلوبهم؟ لقد اخترقت هذه التكنولوجيا كل المناطق المحرمة في تفكير وادمغة البشر, واستباحت مناطق استثارة الأسئلة, وصارت النخب والجماهير تدين بالولاء (الذهني) لهذه التكنولوجيا, وترتدي كل الأقنعة المطلوبة لضمان نجاتها عندما تخاطب السلطة, صارت هذه النخب والجماهير تقاوم سلطاتها بالحيل التي تزودها بها تكنولوجيا الاتصالات المتاحة بحرية وبإذن السلطات نفسها! لقد أصبح من الصعوبة البالغة لكل دول العالم أن تقف كما كانت في الماضي دون هذا التدفق الاعلامي الذي كسر حواجز الجغرافيا والسياسة, وأحال أجهزة الرقابة إلى مجرد ذكريات تاريخية, وعليه فلم يعد بامكان أية دولة أن تمنع شعبها من أن يعرف ما يدور حوله, وما يجري خارج الغلاف الجوي لحدودها, لقد صار تزييف المعلومات واخفاؤها ـ كما تحاول بعض الأنظمة ـ لعبة مكشوفة, وأحيانا أقرب إلى ألعاب (الاستخفاء) التي يمارسها الأطفال. لم تعد الشعوب قاصرة, وما عاد من حق أية دولة أن تلعب دور الوصي القلق على حال الأطفال الذين تحت وصايته فيتكلم عنهم ويفاوض في أموالهم وحقوقهم بالنيابة عنهم, ويشتري ويبيع ويتنازل كذلك نيابة عنهم, ودون علمهم, ثم يجعلهم يعرفون ما يريده هو فقط, بحجة أن هذا فقط ما يلزمهم! لقد انتهت مرحلة الوصاية, والفضل يرجع لتكنولوجيا الاعلام والاتصال, وللسلطات التي سمحت باشاعتها وتداولها بين الناس!