زيارة وليم كوهين وزير الدفاع الأمريكي إلى إسرائيل والأجواء والتصريحات التي رافقتها, تؤكد ان السياسة الأمريكية في المنطقة هي المسئول الأول عن إصابة إسرائيل بالغطرسة وجنون القوة ورفضها متطلبات السلام العادل والشامل. ففي الوقت الذي تمارس فيه واشنطن كل أنواع الضغوط ضد الأطراف العربية المعنية بالتسوية (وسواها أيضا) فإنها لا تقوم تجاه إسرائيل إلا بمزيد من الاغراءات والعطاءات والمنح على المستويات العسكرية والسياسية حتى تحولت الدولة الصهيونية إلى ترسانة عسكرية, مع ان ذلك لم يؤد إلا إلى مزيد من التعنت الإسرائيلي. وها هو كوهين أمس يغري إسرائيل بمنظومة أمنية وتسليحية مذهلة تمثل كل ما كان قد طلبه باراك من أحدث الأسلحة والصواريخ والطيران ووسائل الاتصال بما تصل قيمته إلى 17 مليار دولار, لا نعلم من أين سيمولها كوهين أمام تردد الكونجرس الأمريكي. وذلك يعني أن اكتمال هذا المشروع المرافق لعملية التسوية يجعل إسرائيل قوة كبرى مقابل كيانات عربية ضعيفة التسليح والقدرات, وعاجزة عن دفع الخطر عن نفسها, إلا إذا وجدت وسيلة صعبة لتعويض هذا الخلل الذي يفرضه التحالف الأمريكي الصهيوني. كما أعلن كوهين عن توجهات استراتيجية لا تقل خطورة عما سبق, وهذه التوجهات ليست جديدة ولا مربوطة بعملية التسوية, وأبرزها تأكيده على دعم التعاون العسكري الأمريكي التركي الاسرائيلي والسعي إلى زج الأردن في معمعته, مع زعمه بامكانية اغراء مصر نفسها على الانضمام إليه, وهذا الغرور لا يقبله أي عربي بما في ذلك كل من حكومتي وشعبي مصر والأردن. ولقد بات معروفا أن التحالف الأمريكي - التركي - الإسرائيلي من أشد وأسوأ أوراق وقوى الضغط التي تمارس ضد سوريا لدفعها باتجاه تسوية لا تقبلها ولا تتناسب مع مصالحها وحقوقها الوطنية المشروعة, وقد تم اختبار الأثر السلبي لهذا التحالف أكثر من مرة. الأمر الذي أعطاه كوهين أهمية كبرى هو تقاسم معلومات المخابرات بين دول المنطقة, بما فيها العرب واسرائيل.. بما يستهدف في النهاية تحويل الوطن العربي كله إلى كتاب مفتوح بأيدي إسرائيل تعبث به كيف تشاء وتحارب فيه من تشاء!! وكأن كوهين يريد أن يجبر العرب على نسيان دماء شهدائهم لحساب تسليم المنطقة لإسرائيل. في المقابل لم تعط واشنطن للأطراف العربية المفاوضة إلا خرائط أعدتها إسرائيل, وضغوطا غير منصفة ولا موضوعية تستهدف كسر إرادة الصمود العربي وفرض الاستسلام على العرب تحت لافتات سلام زائفة, مع الإصرار على (تفوق إسرائيل النوعي العسكري في المنطقة) في كل الظروف والأوقات, وحتى مع إصرار وزير خارجيتها ديفيد ليفي على ممارسة سياسات التهديد والابتزاز والتلويح بالقتل والحرق وإراقة الدماء وممارسة دبلوماسية الكذب والخداع. العلة إذن في واشنطن, وهي المسئول الأول عن الخلل الراهن وعن جمود عملية التسوية على كل المسارات, وحتى إذا نجحت واشنطن في فرض سلام أو هدنة بالإكراه ضد مصالح العرب الآن فإن ذلك لا يجب أن يشكل عامل يأس أو خضوع, فما زالت الأمة العربية تملك الكثير من الأوراق الفاعلة للتمسك بالكرامة العربية وبالسلام العادل.