بقلم: د. عبدالله محمد محمود في الحادي والعشرين من ابريل عام 1999م القى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع, رئيس الشرطة والامن العام بدبي محاضرة قيمة عنوانها: (القيادة.. مواصفاتها.. ومقوماتها وتفسيراتها) وذلك ضمن فعاليات ندوة افضل الممارسات الحكومية الفائزة بجائزة الاداء الحكومي المتميز, حيث تحدث سموه عن مجمل مفاهيم القيادة والصفات الواجب توافرها للقائد الناجح, والتي ترسم له طريق انجازه لعمله. فالقيادة هي الارتقاء برؤية الانسان والنهوض بمستوى الاداء لديه الى حدود ابعد, وبناء شخصيته الى ما هو ابعد من حدودها الطبيعية, وإن ممارسة القيادة تطبيق للمبدأ القائل: (لا تنجز الامور بالتمني ولكن بالفعل) . ورغم مرور العام تقريبا على هذه المحاضرة القيمة الا ان كلمات سموه لا تزال ترن في اذني حتى الآن كدستور لمعنى القيادة والادارة وانطلاقا من هذا الدستور الذي يهدف الى اللحاق بركب التطور في كل مؤسساتنا الوطنية تحقيقا لحلم هذا الوطن المعطاء وارتقاء بشعبه الى مدارج متقدمة من العيش الكريم والحياة الآمنة واشباع حاجاته الاساسية وتلبية متطلباته الآنية والمستقبلية. من هذا المنطلق ارجو ان أؤكد هنا كما يؤكد الكثيرون من المفكريين واصحاب الرأي على ان الادارة الرشيدة هي اهم الركائز الاساسية لنهوض الامم وتقدمها في عالمنا المعاصر, وفي اطار نشر الفكر والوعي الاداري احاول المساهمة بتسليط الضوء على جانب هام من جوانب علم الادارة وممارستها الا هو فن ممارسة الادارة بالسؤال. الاساس الاداري في ظل الضغط الناشىء عن التغيير السريع وتدفق المعلومات واشتعال نار المنافسة فإنه يتطلب من مدراء اليوم ان يفعلوا الكثير, بمساعدة اقل, ووقت أقل, وخطأ أقل. ولكي نتصدى للعمل الذي امامنا علينا ان نكون مستعدين لتبني نوع آخر من التغييرات بقصد تحسين طرق العمل, والشيء المؤكد الذي يدفع للثقة بالمدير هو اتباع الاساليب الادارية الحديثة والتشجيع على القيام بالاصلاحات السريعة لحل بعض المشاكل. وفي هذا الاطار لابد من التساؤل ما هو عملنا؟ وماذا ينبغي ان يكون عملنا؟ والسؤال الهام جدا متى يكون العمل ناجحا؟ ان الجواب دائما ما يكون صعبا ويحتاج الى تفكير شديد ودراسة طويلة حيث يشكل التعامل الناجح مع الجمهور عاملا اساسيا في تحديد النجاح النهائي الذي يحققه اي من المدراء, وسواء كان الاتصال بالجمهور مباشرا او بشكل غير مباشر فإن مهاراتك في ادارتك للعلاقات مع الجمهور تشكل امرا مهما ودقيقا. ويتلقى الموظفون عادة مفاتيح التصرف من الادارة عندما يتعلق الامر بالتعامل مع الجمهور, وان الاستراتيجيات والسياسات التي تأخذ بها الادارة تحدد مدى فاعلية العلاقات مع الجمهور وكيفية ايجاد خدمات جيدة لهم بالاضافة الى اساليب التخطيط وتحسين العلاقات ومعالجة شكاوى الجمهور. من هذا المنطق فلابد ان تركز جهودك من اجل ان تصبح مديرا اكثر فاعلية, وتلك صفة يمكن ان تفيدك جدا في حياتك العملية, ولكن لسوء الحظ فإن عزم المدراء على ان ينجزوا اعمالهم بشكل افضل لا يقابله حماس معادل في ادارة حياتهم العملية, وكما تعلم فإن هناك منافسة صعبة للفوز بالمناصب الادارية, ومن ثم فإن كل خطوة تؤثر على مسار حياة المدراء العملية, كثيرا ما تحكمها محاولات التميز عن بقية القطيع) ومن الاساليب المعروفة لتحقيق ذلك ان تستغل فرص العمل التي لا تظهر فوق السطح. قال لي صديق حميم علا على درجات سلم الادارة: ان من الاساليب التي حقق بها نجاحه اضطلاعه بالواجبات التي لم يعهد بها الى احد قبله, وكان هذا يحدث بشكل عام لقبوله للمسئوليات عند ادخال اجراء او نظام جديد على الساحة وقد وسع صديقي هذا من واجباته حتى اصبح خبيرا في هذا النظام او الاجراء الجديد مما ادى الى ترقيته في غضون فترة قصيرة فهل يعد ذلك حالة متفردة؟ ام انه اسلوب صحيح لدفع مستقبل المرء العملي للامام؟ قوة السؤال؟ الرحلة في عالم الادارة تبدأ بعلامة الاستفهام, لو انك سألت اشد الناس عنادا وانغلاقا سؤالا يقول: بامكانك الحصول على ثلاث او اربع امنيات, فماذا تتمنى؟ لخرج من قوقعته وعزلته واجاب على ذلك لان الاسئلة لاتقاوم, والسبب الرئيسي انها مؤثرة على اغلب الناس, وكذلك تثير الذهن وتقدم للناس فرصة استخدام عقولهم. والسؤال الذي يتبادر الى ذهن كل قارىء متى يتم استخدام السؤال؟ ان اتقان توجيه الاسئلة يكشف حقيقة اي موقف وبدون غموض ويساعد على: * اقناع الناس: مهما يكن عملك فإنك حتماً ستتعرض لموقف تريد فيه ان تعرف ماذا يريد منك الجمهور, اذن بالسؤال الجيد يمكن كشف مخاوف الشخص وازالة شكوكه فتسأله: (ما الفوائد التي تتوقعها من تعاملنا معا؟) * جمع الآراء والمعلومات: الهدف من هذه الغاية استيعاب اكبر قدر من المعلومات لنجاح الادارة وقد ثبت بالتجارب بأن المدراء الناجحين يسألون الجمهور بعد استلام التعليمات والتوجيهات والطلبات. هل هناك شىء آخر يجب ان اعرفه؟ ومتى استطيع الاتصال بك اذا خطر في بالي ان اوجه لك استفسارا؟ * حث الموظفين على المثابرة والجهد: اذ قدم لك احد الموظفين فكرة او اقتراح وساورتك الشكوك في جدواها وفحواها قد تقول له: سوف تستغرق وقتا طويلا, او سوف تكون باهظة التكاليف, او فكرتك مبنية على فروض غير حقيقية وزائفة. وبذلك فرضت خبرتك وحكمك على الموظف بسرعة ولم تترك له فرصة للتفكير والتواصل لكي يتعود الاعتماد على ذاته في اصدار الاحكام ومن الافضل لو انك حولت البيانات السابقة الى اسئلة على النهج التالي: كم من الوقت تعتقد انها تستغرق؟ كم قدرت تكاليفها؟ هل اجريت دراسة حول الموضوع؟ فبذلك استطعت ان تصيب الهدف. * حل المشكلات: توجيه الاسئلة يساعد على الغوص الى اعماق المشاكل واتخاذ القرارات المناسبة, ويمكن بذلك التوصل الى مناطق الضغط وتحديد نقاط الضعف, ويا حبذا لو يخرج المدير الى مواقع العمل للتأكد من احوال الموظفين وكيفية تعاملهم مع الجمهور وسؤالهم عن مجريات الامور لاكتشاف المشكلات في بواكيرها قبل ان تستفحل. الصيغة الصحيحة للسؤال اذا كنت مديرا في احدى الادارات فإنك ستجد فرقا كبيرا بين ان توجه للعملاء أحد السؤالين: هل لديكم مشكلة ما؟ أو كيف استطيع خدمتكم؟ السؤال الاول: يفتح علينا بابا لسيل من شكاوى لا تنتهي ومعظمها بعيدة عن الحقيقة لان العميل يطمح دائما في الكمال, والكمال لله سبحانه وتعالى ولا يمكن تحقيقه بنفس التكاليف في نفس الظروف كما ان السؤال يصرف التفكير الى سلبيات الخدمة ونواحي النقص والقصور فيها. أما السؤال الثاني: فيوجه تفكير العميل الى البحث عن حل للمشكلة والى صياغة الرد في اقتراح يقدمه, ومهما يكن هذا الاقتراح فإنه يصلح اساسا لحل مشكلته اذا تناولتها بالدراسة والتمحيص. من هنا يتضح ان صياغة وتوجيه السؤال المناسب فن, والسؤال مرآة تعكس شخصية السائل, والسؤال المفكك الطائش يدل على ضحالة الفكر, والسؤال الذكي الهادف يدل على ما يتصف به السائل من ذكاء وحكمة, ومن هذا المنطق هناك نوعان من الاسئلة وهي: * الاسئلة المغلقة: وهي التي تبحث عن معلومة جزئية محددة تتبعها بالضرورة مناقشة توضيحية اذا لزم الامر ومن خصائصها الاجابة بكلمة لا او نعم, كما ان الاسئلة المغلقة احسن ما تستعمل للحصول على معلومات عاجلة وفيما يلي بعض الامثلة: كم نموذجا تريد؟ من المسئول عن مراقبة الجودة؟ هل تريد ان ترتقي في هذه المؤسسة؟ هل هذا التقرير كامل؟ ما الموعد المحدد للاجتماع؟ والسؤال المغلق جذاب لافت للانتباه, وهو يوفر الوقت ومن هنا تنبع فائدته, ويحفظ للسائل زمام توجيه الحديث. * الاسئلة المفتوحة: هي التي تشحذ التفكير وتشجع على مواصلة المناقشة وهذه الفئة تنتمي اليها الاسئلة الذكية. ومن هنا نجد ان السؤال المفتوح يتيح للشخص الآخر الاسهام في عملية تبادل المعلومات والتوصل الى حلول للمشكلات والمواقف الغامضة, وتحتاج الاسئلة المفتوحة الى اجابات اكثر عمقا, ومن امثلة الاسئلة المفتوحة: ما خطتك للتعامل مع هذا الموقف؟ ما هو شعورك حيال هذا الموقف؟ ما هو الاهم بالنسبة لك؟ ما الذي لا يعجبك في ادارتنا؟ وتشجع الاسئلة المفتوحة الشخص الآخر على التفكير الدقيق للاجابة اما اذا كان الجواب حاضرا فإن لديه فرصة التعبير عن نفسه وعرض وجهة نظره. اذا كان المستقبل ملكا لصاحب القدرة والصورة المميزة فهو ايضا ملك للناس القادرين على معرفة التغييرات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وهذا هو التحدي الذي يواجه المدبرين اليوم وقادة المستقبل الناجحين المتميزين هم الذين يستطيعون التعامل مع صنع القرارات ويحمون قيم الادارة ومعاييرها على مر اجيال الموظفين. واخيرا فإن النجاح كما ارى هو مواصلة النضال من اجل المزيد للوصول الى الشيء الذي نريده, ومن لا يصل الى القمة لا يقل نجاحا عن الذي حقق النجاح لان كلاهما بذل الجهد والعرق والدم, ومزقا معا حاجز الخوف وحطما العراقيل, لان الفشل في تحقيق الكمال لا يعني انك لست ناجحا, لان الجزء البشري من الادارة هو جعل البشر يشعرون بهدفهم في الحياة. وصدق الله العظيم اذ يقول في كتابه الكريم (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) .