لم يكتف آل الميرغني بخروجهم على الاجماع الوطني السوداني ووقوفهم معزولين الى جانب دعوة الاتحاد مع مصر بل قرروا تأديب الزعيم اسماعيل الازهري لتجرؤه على تحويل توجه (الحزب الوطني الاتحادي) صوب الدعوة الى الاستقلال الكامل. ولهذا وقع طلاق بائن بين آل الميرغني والحزب. بتوجيه من السيد علي الميرغني انشقت طائفة الختمية على (الحزب الوطني الاتحادي) لتكون قاعدة لحزب ميرغني صرف أطلق عليه (حزب الشعب الديمقراطي) . لكن الأمر لم يخلو من غرابة. فرغم هذا الانشقاق البائن لم يدخل اي من اسرة الميرغني عضوية الحزب. فقد فضل السيد علي الاستمرار في سياسة (الريموت كونترول) فلم يسمح حتى لابنه الاكبر السيد محمد عثمان الميرغني بدخول الحزب الجديد (كان عمر محمد عثمان في ذلك الحين أي عام 1955 عشرين عاما). والى أن وقع أول انقلاب عسكري ناجح في السودان عام 1958 ظل هاجس آل الميرغني وهمهم الاعظم هو تأديب الزعيم الازهري عن طريق الحزب الجديد ومحاولة تدمير (الحزب الوطني الاتحادي) .. من حقائق التاريخ ان انقلاب 1958 بقيادة الفريق ابراهيم عبود كان تدبيرا من زعيم طائفة (الانصار) السيد عبدالرحمن المهدي. لكن كان من الحقائق الثابتة ايضا ان اول من ابرق الانقلابيين مؤيداً ـ ومنذ أول وهلة ـ السيد علي الميرغني ومن الحقائق كذلك ان تدبير الانقلاب كان من وراء ظهر السيد الصديق المهدي (إبن السيد عبدالرحمن ووالد السيد الصادق). وهذا مما يفسر لنا معارضة السيد الصديق للانقلاب وجهره بهذه المعارضة وترجمتها الى نشاط فعلي مناوىء للنظام العسكري فور وفاة والده السيد عبدالرحمن بعد شهور قليلة من استيلاء الفريق عبود وصحبه على السلطة. ما يهمنا في هذا السياق ان آل الميرغني لم يكتفوا بالتأييد الشفاهي للنظام العسكري بل دعموه بقاعدتهم الشعبية حتى آخر لحظة. ومرة أخرى يخرج آل الميرغني على الاجماع الوطني السوداني. بمبادرة من رئيس (حزب الامة) وقعت الزعامات والشخصيات الوطنية الممثلة لمختلف الاحزاب واهمها (الحزب الوطني الاتحادي) بزعامة اسماعيل الازهري و(حزب الامة) نفسه والحزب الشيوعي السوداني على مذكرة شديدة اللهجة تدين العملية الانقلابية وتستنكر حظر الاحزاب ثم تخلص الى المطالبة بعودة الجيش الى الثكنات واستعادة النظام الديمقراطي, لكن آل الميرغني وحزبهم رفضوا الانضمام الى هذا التحرك. اكثر من ذلك فانهم اوعزوا الى سياسيي حزبهم بالتقدم الى السلطة العسكرية بمذكرة مضادة لمذكرة القوى الوطنية المؤتلفه ممهورة بتوقيعات (لفيف من كرام المواطنين) ولم يشاءوا أن تكون المذكرة باسم حزبهم (حزب الشعب الديمقراطي) وكأنهم يقرون ضمنا بمشروعية قرار السلطة العسكرية بحل الاحزاب. كانت مذكرة اقل ما يمكن أن يقال عنها انها غريبة, فقد كانت عبارة عن مطالبة باستبقاء الحكم العسكري وتعبير عن رفض استعادة الديمقراطية. وبقي آل الميرغني على هذا الموقف النشاز الى أن سقط حكم الفريق عبود في عام 1964. ويبقى سؤال: لماذا اختار آل الميرغني ان يتحالفوا مع الحكم العسكري؟ والاجابة هي أنه بمعيار مصالح الأسرة لم يجدوا سبباً (وجيها) لمعارضته. فالشخصيات النافذة في السلطة الجديدة ـ بمن في ذلك الفريق عبود نفسه ونائبه اللواء حسن بشير والمفكر السياسي للنظام السيد احمد خير والمستشار الدستوري للمجلس العسكري الحاكم ـ كانوا من ذوي الولاء لآل الميرغني وطائفة (الختمية) . أهم من ذلك توجه النظام العسكري بعد رحيل زعيم الانصار السيد عبدالرحمن المهدي صوب مصر التي ارتبط بها آل الميرغني بروابط مصالح ذاتية قوية. هذا يفسر لنا لماذا وجد آل الميرغني أنفسهم معزولين تماما عندما اندلعت انتفاضة شعبية في اكتوبر 1964 ادت للاطاحة بالنظام العسكري.. تلك العزلة التي استمرت للسنوات التالية الى ان ركب آل الميرغني عربة انقلابية اخرى في مايو 1969.