بقلم: عبدالكريم محمد قد يبدو للوهلة الأولى ان الزيارة التي قام بها بابا الفاتيكان (يوحنا بولس الثاني) انها انتصار للحق العربي بعامة والفلسطيني بخاصة. الا ان الحقيقة الكامنة خلف هذه الزيارة بعيدة كل البعد عما اشيع حولها, وأنها جاءت استكمالاً لجملة من الخطوات الخطيرة التي خطتها الكنيسة الكاثوليكية, والتي تمثلت بإعلان طلب الصفح والمغفرة من الله عن خطايا رعايا الكنيسة الكاثوليكية طوال الألفي عام المنصرمة, حيث صير الى إعلانها خلال كرنفال ديني غير مسبوق في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية, وقد شهد الكرنفال تناوب ستة من الكرادلة على تعداد اخطاء الالفي عام. وكان حصة الكاردينال الالماني راتز نيجر الحديث عن الأخطاء التي ارتكبت باسم الحقيقة (ممثلة بالاساليب البعيدة عن الاناجيل) , ولجأ اليها المسيحيون لاسيما خلال الحملات الصليبية وحقبة محاكم التفتيش, فيما كانت حصة رئيس الاساقفة الكاردينال الياباني (ها ماو) الاعتراف بأخطاء الكنيسة المقترفة ضد الحب والسلام وحقوق الشعوب واحترام الثقافات والديانات, اما حصة الكاردينال النيجيري (اريتري) رئيس مجلس الفاتيكان للحوار بين الاديان, فاعترف بتلك الاخطاء المرتكبة في مجال الحقوق الاساسية للانسان. ويبقى من أخطاء الكنيسة الكاثوليكية وهو الأساسي والجوهري الا هو طلب الصفح والغفران في تقديرنا تلك التي حددها الكاردينال الاسترالي الاصل (ادوارد كاسيدي) (اليهودي الاصل) والتوجه والايمان فيما دعا عن الأخطاء التي ارتكبت بحق اليهود. علما ان كاسيدي هو رئيس مجلس ارساء وحدة المسيحيين في الفاتيكان ومعروف بنصرته للادعاءات والروايات اليهودية حتى تلك الموجهة ضد الانجيل نفسه, والكنيسة نفسها. لذا لم يجد كاسيدي في هذا الاحتفال الكرنفالي طلب الباب الصفح عن اخطاء الكنيسة ما يؤكد تلك الاخطاء ويدعو الحشود المجتمعة الى الصلاة عما دعاه الاخطاء بحق اليهود. مما استدعى البابا الى دعوة كاسيدي للتعبير عن حزنه الكبير ازاء تصرف اولئك الذين تسببوا خلال التاريخ بمعاناة اليهود. مستدركا طلب الصفح من الله متعهدا باسم الكنيسة الكاثوليكية بالعيش بموجب اخوة صادقة مع هذا الشعب القريب. ولعل هذه الخطوة المفصلية في حياة الكنيسة المذكورة, قد سبقت بمؤتمر اقامه البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997م سمي بمؤتمر التوبة او طلب الصفح والغفران من اليهود, بحضور 60 خبيرا دينيا في شئون اللاهوت والفقه المسيحي الكاثوليكي والبروتستانتي, وقد تقدم البابا خلال المؤتمر بوثيقة للنقاش والاقرار. وانتهى المؤتمر وفق ما صرح به احد اعضاء لجنة الصياغة لصحيفة الفاتيكان الرسمية ان: (المؤتمر سيراجع ويعدل عدة نصوص دينية في العهد الجديد (الانجيل) لتحاملها على اليهود, كما سيتم تعديل انجيلي متى وبولس وقصة التلاميذ برمتها) . وهذا الامر ينطوي على حقيقة ان وثيقة الفاتيكان والمؤتمرات التي سبقتها تسهم وبشكل سافر ومكشوف في تعزيز جملة الاساطير والرموز الثقافية الصهيونية, التي اسهمت في بناء دولة اسرائيل خاصة اسطورة (الهولوكست) وتصل هذه الخطوات بالمنحى البياني تهود الكنيسة الكاثوليكية الى نقطة الذروة او قريبا منها على احسن تقدير وتبدت هذه الحقيقة خلال (صلاة التكفير) التي اقيمت مؤخرا في الفاتيكان واحتفى بها الغرب عموما, عندما اشعل البابا يوحنا بولس الثاني سبع شموع ترمز الى سبع خطايا ارتكبها اتباع هذه الكنيسة, واختص اليهود ـ الطائفة الوحيدة ـ بشمعة وخطيئة. ولعل هذا الامر يندرج حسب رأي العديد من المتخصصين في نطاق استراتيجية الاستجابة والتسليم بالهوس الصهيوني المتمثل في الرغبة في الاجهاز على العقل البشري, توطئة للقبول بمعتقدات (الديانة) الجديدة للغرب والتي تتمثل (بالهولوكست) . ولعل هذا الامر فسره بشكل جلي مؤتمر استوكهولم في السويد وما نتج عنه من توصيات قبل شهرين, مطلع العام الجاري, وبحضور وفود من (46) دولة, بضرورة ان (يحفر الهولوكست في ذاكرتنا الجماعية الى الأبد.., من خلال تعليم الاجيال الناشئة دروسه, وهو ما بدأته السويد فعلا, ومن ورائها فرنسا, حيث سيصبح الهولوكست مادة اساسية في مدارسها الثانوية بدءا من الخريف المقبل, ويذكر أن ليونيل جوسبان رئيس الوزراء الفرنسي الحالي, هو من بدأ في اقحام (الهولوكست) في المناهج عندما كان وزيرا للتعليم عام 1983, وتسعى الدوائر الغربية المتصهينة واسرائيل الى ترويج هذه البضاعة في منطقتنا العربية, وغرسها في عقول الناشئة العرب. ولعل يوسي ساريد وزير التعليم الاسرائيلي بالشراكة مع جير الدستانبرج, بالذهاب في خياله الى أبعد من ذلك, بان تقوم اوروبا بحملة تعليمية مركزة في العالم العربي على مدار سنوات عدة تجند من اجلها مؤسساتها الدينية والتعليمية والسياسية والاعلامية كافة لتعليم وترهيف احاسيس العرب بالنسبة الى الهولوكست. ولا نغفل ان ما جرى في الزيارة الاخيرة لبابا الفاتيكان من تهود مكشوف للكنيسة الكاثوليكية, بأنه جاء نتيجة حتمية للانقلاب العقائدي التاريخي الذي بدأت هذه الكنيسة تشهد خطواته منذ العام 1962, 1964, اي منذ عقد المجمع المسكوني, حيث تم اقرار وثيقة (تبرئة اليهود من دم المسيح) في 1964/11/21 بعد اتصالات اجراها البابا بولس السادس في 1946/3/16 مع الجمعيات اليهودية العالمية. وبررت الكنيسة الكاثوليكية اقرار الوثيقة في بيان جاء فيه: (لا يمكن ان تنسى الكنيسة الكاثوليكية ان المسيح ولد وسط الشعب اليهودي, ولما كان المسيحيون قد تسلموا من اليهود ذلك التراث العظيم, فان هذا المجمع المسكوني يهدف الى التوجيه بمراعاة التعارف والاحترام المتبادل بين المسيحيين واليهود, لهذا يتوجب على الجميع ان يراعوا سواء عند تلقين الدين المسيحي او نشر كلمة الله او في المحادثات اليهودية ـ عدم ذكر اي شيء يمكن ان يثير كرها او حقدا على اليهود في قلوب المسيحيين, كما يتوجب الا يظهروا الشعب اليهودي بمظهر الشعب المرذول او المسئول عن قتل الرب.. ومن الجدير بالذكر ان هذه التحولات مع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي, بدأت تكتسب منحى كبير تحت وطأة المتغيرات العالمية والاقليمية وكانت فاتحتها تصريح البابا: (انه يجب على أمم العالم ان تعترف حقيقة بان الشعب اليهودي عاد الى ارض آبائه بعد الفي عام, وان هذا حقه كاملا.. وان هذا الحق اعترف به الكرسي الرسولي) . بعد ذلك قام وفد يمثل الفاتيكان برئاسة الكاردينال ادوارد كاسيدي بزيارة الى اسرائيل يوم 24 مايو 1994, اعلن خلالها ان (اعضاء الكنيسة الكاثوليكية ارتكبوا اخطاء بحق السامية وعلينا ان نطلب العفو عن ذاك لكوننا لم نتمكن من منع الكارثة, وعلى الشعبين اليهودي والمسيحي ان يعملا معا من اجل المستقبل والعداء للسامية هو خطأ ضد الاله) , وبعدها قبلت الكنيسة بدمج المسيح في تاريخ شعب اسرائيل, وعاد البابا الى تكرار هذه الاعترافات فيما سمي بوثيقة (لنتذكر تأمل حول المحرقة) الصادر عن الفاتيكان في 16 مارس 1998, اذ جاء فيها انه (في نهاية الالفية ترغب الكنيسة الكاثوليكية بالتعبير عن عمق ألمها ازاء الاخطاء التي ارتكبها ابناؤها وبناتها في جميع العصور. انه عبارة عن فعل توبة ما دمنا كأبناء كنيسة مرتبطين بالخطايا كما نحن مرتبطون بفضائل كل المؤمنين) . ومن نافلة القول ان هذه الوثيقة لم تكن نهاية الوثائق التي قدمها البابا يوحنا بولس الثاني, بل كانت سلسلة من حلقات متواصلة لانخراط الكنيسة الكاثوليكية في دورة الدين اليهودي. ولعل اخرها نص الرسالة التي وضعها في احد شقوق حائط البراق, وهو الجدار الغربي للمسجد الاقصى, والذي يطلب فيها المغفرة لمعانات اليهود. والتي تتضمن حسب النص الانجليزي التي كتبت فيه: (يا اله الاباء والأجداد, يا من اخترت ابراهيم وذريته لنقل اسمك الى الامم: ان الحزن العميق يغمرنا لتصرفات الذين تسببوا على مدار التاريخ من عذاب ابنائك ونطلب صفحك وغفرانك, ونحن ننشد ان نقيم اخوة حقيقية مع اهل العهد) . وحملت الرسالة تاريخ 26 مارس 2000, بتوقيع اسم البابا الحقيقي (يوهانيس باولوس الثاني) . بالمقابل اغفل البابا التطرق وعن قصد لتهويد القدس, والمصادرات المحمومة وهدم وتغييب التراث الاسلامي والمسيحي في هذه المدينة. بل زاد المشكلة تعقيدا بندائه ببقاء مدينة القدس موحدة لتصب في خدمة الاهداف الاسرائيلية, التي تنادي وعلى الدوام ببقاء القدس موحدة عاصمة لدولة اسرائيل الأبدية. والسؤال الاهم هل لحقت الكنيسة الكاثوليكية بركب الكنيسة البروتستانتية, واصبحت جزءا من شهود يهوه؟ لنبق الجواب هذه المرة للقارئ بعد التدقيق بين السطور ومن ثم ما يحكم به فنحن ملزمون به حتما.