بقلم: جيمس زغبي هل توجد جالية امريكية عربيةوإذا كان الامر كذلك فما هي سماتها ومعتقداتها التي تربط بين اعضائها.؟ على مدى الاعوام الثلاثين الماضية, ومنذ انطلاق مشروعنا لبناء مؤسسات امريكية عربية, نطرح هذه الاسئلة ولم نسع منهجيا للاجابة عنها. واعتمدنا في الجانب الاكبر من عملنا على الافتراض والحدس. لكن بدلا من توفير اجابات, فإن الافتراض والحدس افرز في معظم الاحوال, الكثير من الجدل, باعتبار أن الافتراضات كانت تعكس وجهات نظر الافراد او الجماعات التي تضعها, وليس الجالية ككل. ولأن الجالية الامريكية العربية مركبة للغاية وتمثل اجيالا مختلفة ودولا واصولا متباينة, وخلفيات دينية مختلفة, الى غير ذلك, فهناك مجموعة من الافتراضات المتضاربة تم طرحها. وكل منها كان انعكاسا لمنظور معين خاص بالفرد او المجموعة الفرعية التي تطرحه. وهذه الحالة ليست بعيدة عن القصة التي يرويها الهنود عن (العميان الاربعة والفيل) . تقول القصة: ان اربعة عميان اخذوا يتجادلون عن شكل الفيل, حينما وجدوا أنفسهم أمام فيل, الاول منهم اقترب فأمسك ذيل الفيل ليقول انه يعتقد بأن الفيل هو على شكل حبل, اما الثاني فأمسك بساق الفيل وقال انه يعتقد بأن الفيل حيوان على شكل شجرة. كذلك فعل الثالث والرابع وتقدم كل منهما بفكرته عن شكل الفيل حسب الجزء الذي تلمسه من جسمه الضخم. والمغزى من هذه القصة واضح بالطبع, فالفيل ليس مشابها لأي وصف اقترحه العميان. بل هو مجموع الاوصاف المذكورة كلها أو اكثر. الشيء نفسه ينطبق على الجالية الامريكية العربية, فهي مركبة ومتنوعة. واذا ما أراد احدهم ان يراقب جزءا من الجالية مثل مهاجرين جدد في ميتشجان فيمكن ان يقول: (اعتقد ان الامريكيين العرب هم كذا وكذا, فيما يمكن لآخر بعد حضوره حفل غداء في جمعية المصرفيين الامريكيين العرب في مدينة نيويورك ان يتوصل لتعميم آخر زائف بالقدر نفسه عن الجالية. وفي الحقيقة فإن الجالية الامريكية العربية هي كل اجزائها المكونة لها. وقد تركز جهدنا خلال العقود الثلاثة الماضية على جمع هذه الاجزاء معا وصهرها لتغدو مجموعة ذات اهداف مشتركة. ولم تكن المهمة سهلة دائما فالتوترات في الشرق الاوسط والتجارب المتباينة للمجموعات المختلفة هنا في الولايات المتحدة قد تركت اثرها احيانا على المجموعات المتعددة داخل الجالية. وما قلناه باستمرار هو ان اختلاف المفاهيم امر متوقع ومع ذلك فإن النقاش سيكون مفيدا. اضف الى ذلك اننا نستطيع ان نتناقش حول خلافاتنا من دون ان ننقسم بسببها. والمفتاح لضمان النمو المستقبلي لجاليتنا هو الدعم الذي تقدمه مؤسساتنا الناشئة لعملية بناء صرح الاجماع في هذه الجالية والاعتراف بأن التعدد يمن ان يكون عامل اغناء, ونحن نتقدم سعيا وراء هدفنا المتمثل في ان نكون قوة سياسية فاعلة في الولايات المتحدة. ولنتمكن من تحقيق ذلك, كان علينا, ولا يزال يتعين علينا ان نعرف المزيد عن جاليتنا وخصائصها ووجهات نظرها, وقد انجزنا على مدى السنين الماضية دراسات ديمجرافية في محاولة لنتعرف على تعداد الجالية والعناصر المكونة لها. وقد انتهينا, مؤخرا من انجاز دراسة معمقة عن مواقف الامريكيين العرب والتي كشفت عن ان غالبية الجالية, وعلى الرغم من تنوعها وتشابكها تلتقي عند عدد من وجهات النظر التي تتبناها بقوة. وقد انتهى المسح الذي اجرته مؤسسة زغبي انترناشيونال لصالح المعهد الامريكي العربي في فبراير 2000. واظهر ان هناك اجماعا جوهريا حول مجموعة متنوعة من القضايا السياسية الداخلية والخارجية, ولأن الدراسة قد وفرت فرصة للتعرف على المواقف ليس ضمن الجالية ككل فحسب بل وضمن المجموعات الفرعية المختلفة داخلها, مثل الاجيال وبلدان الاصل والدين والعمر والمستوى التعليمي والدخل, اصبح بالامكان تحديد مدى هذا الاجماع على مستوى مدى اتساع النطاق ومدى العمق. اضف لذلك ان المسح قد وفر فرصة للقيام بمقارنات بين مواقف الامريكيين العرب وسماتهم مع غيرهم من الممجموعات العرقية باعتبار ان المسح قد أجري ايضا على ست مجموعات امريكية رئيسية تشمل الامريكيين الافارقة والامريكيين الآسيويين وذوى الاصول الاسبانية والامريكيين اليهود والامريكيين الايطاليين اضافة للامريكيين العرب. وتضمنت الدراسة اجراء مقابلات مع 501 امريكي عربي بين شهري يناير وفبراير 2000 وبهامش خطأ 4.5 فى المئة وقبل ان نبحث في النتائج التي تم التوصل إليها بخصوص القضايا موضع الاهتمام الخاص بالنسبة للامريكيين العرب فإن من المفيد ان نحاول رسم صورة عامة عن سمات الجالية حسب ما ظهر لنا من نتائج المسح. قال ثلثا الذين تم لقاؤهم انهم ولدوا في الولايات المتحدة (مع ان هذا الرقم هو اقل من النسبة الحقيقية للمولودين في امريكا وهي 80 في المئة من الامريكيين العرب). كما قال ثلثهم انهم من الجيل الثاني او الثالث او الرابع. وتبين ان 56 في المئة من الامريكيين العرب قدموا من لبنان و14 في المئة من سوريا و11 في المئة من مصر و9 في المئة من فلسطين. ويشكل المسيحيون الكاثوليك كذلك 42 في المئة والارثوذكس 23 في المئة والمسلمون 23 في المئة. واظهرت الدراسة ان الامريكيين العرب ناجحون تماما في حياتهم, اذ ان 30 في المئة منهم يكسبون اكثر من 25 ألف دولار في العام (أي انهم يأتون في المرتبة الثانية بعد الامريكيين اليهود) وان نسبة اصحاب الدخول التي تقل عن 25 ألف دولار في السنة هي 22 في المئة, وهي ايضا احدى اقل النسب بين المجموعات العرقية التي تمت دراستها. ومن المؤشرات الاخرى التي تم الحصول عليها ان الامريكيين العرب وفي الوقت الذي يحافظون على روابط وثيقة بالجالية والاصل العرقي فإنهم ايضا من اكثر المجموعات اندماجا في المجتمع الامريكي فاكثر من 60 في المئة من المتزوجين اختاروا شريكا للحياة من الخلفية العرقية ذاتها, كما ان 85 في المئة منهم يفضلون حينما يكبر انباؤهم ان يستمروا في العيش داخل تجمعات الجالية. وهذه اعلى نسب بين المجموعات العرقية الأخرى. لكن ذلك لم يمنع ان الامريكيين العرب والايطاليين يعيشون في اكثر الاحياء تنوعا عرقيا ويقيمون اكبر نسبة من الصداقات خارج نطاق جالياتهم. الجالية الامريكية العربية ايضا طموحة جدا وذات تصميم على النجاح. اذا ان نصف الامريكيين العرب الذين تمت مقابلتهم (48.5 فى المئة) يحملون اجازة جامعية على الاقل. و56 في المئة منهم قالوا ان وضعهم المالي الآن افضل مما كان عليه قبل اربع سنوات, كما ان 87 في المئة منهم (وهي النسبة الاعلى بين بقية الجاليات) قالوا بأنهم متفائلون بالمستقبل. اما فيما يتعلق بالمواقف والاعتقادات العامة, فقد اظهر الامريكيون العرب اعلى نسبة من الاعتزاز بقوميتهم (70 في المئة ويتعادلون في ذلك مع الافارقة) كما عبر 80 في المئة منهم عن الروابط العاطفية التي تصلهم ببلدانهم ويقاربهم في ذلك الامريكيون من ذوي الاصل الاسباني والامريكيون الافارقة, بينما لم يبد سوى الثلثين فقط من الامريكيين الايطاليين والامريكيين اليهود والامريكيين الاسيويين ما ينم عن مثل هذه الروابط القوية. وقال 40 في المئة فقط من الامريكيين العرب انهم تعرضوا للتمييز ضدهم بسبب عرقهم, فيما قال 72 في المئة من الامريكيين الافارقة و60 في المئة من الامريكيين اليهود انهم تعرضوا للتجربة نفسها. والبحث في الجالية الامريكية العربية للمقارنة بين مواقف العناصر المؤلفة لها ازاء هذه القضايا يكشف حقائق مهمة. كما قلت قبل قليل يعتز 90 في المئة من افراد الجالية بانتمائهم العربي, لكن من المهم ان نلاحظ ان هذا الاعتزاز يشترك به حديثو الهجرة للولايات المتحدة مع المولودين فيها ايضا. ومن الطبيعي على كل حال ان يشعر المهاجرون الجدد بعواطف اقوى تجاه تراثهم القومي ويقول 84 في المئة من المولودين في امريكا ان اصلهم القومي مهم جدا لهم بينما 92 في المئة من المهاجرين يعربون عن وجهة النظر هذه, ومن المثير للاهتمام ان تعلم ايضا بأن النساء الامريكيات العربيات يظهرن ارتباطا اوثق بالقومية من نظرائهن الرجال. وفيما يقول 40 في المئة من الامريكيين العرب بتعرضهم للتميير العنصري ضدهم, فمن المفاجىء فعلا ان نلاحظ ان العرب المولودين هنا يشكون من الامر نفسه اكثر من المهاجرين الجدد. اذ تبلغ النسبة 41 فى المئة الى 35 في المئة بين الفئتين كما ان اولئك ذوي التحصيل العلمي المرتفع يعانون من المشكلة اكثر من الاقل تعليميا: 47 في المئة الى 21 في المئة. وباعتبار ان المؤسسات الامريكية العربية حديثة العهد نسبيا, فمن المتوقع ان تكون الهوية (الامريكية العربية) ظاهرة جديدة ايضا واظهر المسح ان 38 في المئة فقط يشيرون الى انفسهم بأنهم امريكيون عرب بينما يشير 43 في المئة الى بلدانهم التي يتحدرون منها. لكن ذلك لم يمنع 70 في المئة منهم من ان يؤكدوا بأن دعم اي امريكي عربي يسعى للفوز بمنصب عام يعد قضية مهمة جدا لهم, وهو الموقف الذي اعرب عنه المهاجرون حديثا اكثر من غيرهم. ان ما تظهره هذه الدراسة هو ان الامريكيين العرب بسبيلهم لأن يصبحوا جالية امريكية عرقية ناجحة وآمنة فهم متعلمون ومنطلقون للاندماج في المجتمع الامريكي مع بقائهم معتزين بجذورهم العرقية. وهناك مشكلات بالتأكيد لكن الجالية تبدي مواقف ايجابية استثنائية تجاه نجاحها مستقبلا. وهذه الصورة المبدئية التي رسمناها لسمات الجالية الامريكية العربية تعرض ارضية لنظرة اكثر تفهما لوجهات نظر الجالية تجاه قضايا السياسة الداخلية والخارجية والتي سنتحدث عنها في الاسابيع المقبلة. ومما يستحق التكرار القول ان هذه الدراسة تكمن اهميتها في انها تقدم سبرا لغور جالية امريكية عربية لا تزال في طور التشكل وصورة اكثر تفصيلا مما كان متاحا في السابق لمواقف هذه الجالية وافكارها.