بقلم نايف حواتمة انقشع غبار قمة جنيف, وتضاربت التقديرات مرة جديدة بعد ان كانت مساحة التفاؤل واسعة عند مختلف الاطراف الاقليمية وحتى عند الطرف الامريكي صاحب التفاؤل الحذر. ومرة جديدة تعود التسوية الراهنة في الشرق الاوسط لتجد نفسها امام معضلة (سوء البداية) والبناء الهش الذي توحدت الاطراف عليه في مدريد وافترقت بعد ذلك مباشرة وصولا الى حصاد اليوم الراهن. هكذا استعارت تسوية مدريد خطاب الامس البعيد(خطاب ديمومة عصر الظلم) فلا الشرعية الدولية كانت حاضرة عمليا ولا حلول التوازن بالرغم من البرقع الاعلامي الواسع الذي التحفت به مسيرة التسوية. والآن بعد نكوص جنيف مترافقا مع مسلسل طويل من مسار الدهاليز والانفاق على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي أجد لزاما القول بأن المسافة ما زالت مفتوحة بين تسوية حقيقية تقوم على الحلول الوسط المتوازنة وبين تسوية مدريد على المسارات كافة. فخطاب لغة الامس البعيد لغة القوى القهرية وحلول القوة التوسعية الاحتلالية والاستعمارية منافية للغة العصر وخطاب التحرر والديمقراطية وانتصار حقوق الانسان وحق الشعوب في الحياة على ارض اوطانها. نحن في زمن الحداثة والعولمة. زمن اشاعة المعرفة والمعلوماتية في كل سنتيمتر مربع من بلدان العالم, وعليه يتسع ويتعاظم وعي الشعوب بحقها في تقرير مصيرها بنفسها على ارضها الوطنية, مستندة الى حصاد القرن العشرين وثماره: قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية, والحياة على ارضية المساواة في المواطنية وحقوق الانسان وحكم القانون وهذه هي قيم الانسانية المشتركة التي تبلورت في العشريتين الاخيرتين. تحاول القوة التوسعية الاسرائيلية والمصالح الكبرى الامريكية في الشرق الاوسط العودة بمصائر الارض الوطنية والشعوب الى لغة القرن التاسع عشر, ومطالع القرن العشرين وبالضد من قرارات الشرعية الدولية, وبلغة خلف لغة العصر تقوم على منطق التركيع ولي الاذرع بحق القوة وبالضد من قوة الحق, برز هذا في (الخيارات الاسرائيلية) التي وضعها كلينتون امام الاسد في جنيف وكلها تقوم على التسليم بالتوسع الاسرائيلي لقفل الدائرة حول بحيرة طبريا (شمال ـ شرق) وبعمق 200 ـ 400 متر بما يتجاوز ليس فقط خطوط 4 يونيو 1967 بل وايضا خطوط الانتداب البريطاني ـ الفرنسي 1923, وكذلك منابع بانياس, الدان لضمان تدفق مياه الجولان السورية لبحيرة طبريا فإسرائيل. وعلى هذا صرح كلينتون (23/3/2000) بأن (الكرة في الملعب السوري من اجل تقديم جواب الخيارات المطروحة) . وفي مطلع الالفية الثالثة فإن خطاب ولغة العصر والحداثة في تقديرنا, تمثل لغة الشعوب حين تمارس حقها لرفع الظلم باختيار دروب تطورها وتقدمها الى الامام, ولذا فمفرداتها الثقافية والسياسية تنبع من مبادىء حقوق الانسان والقانون الدولي اما هيمنة مشاريع الغزو الاستعماري الاستيطاني ودبلوماسية المدافع والبوارج الحربية فهي لغة الماضي. لا ندعو الى لغة سياسية تتقارب مع اي دعوات قديمة لا تستند لتطورات التاريخ المعاصر, بل ندعو الى احقاق حقوق شعوبنا العربية بما فيها الشعب الفلسطيني وفقا لقرارات الشرعية الدولية, ولغتنا السياسية هي لغة اليوم والغد وليس الامس, ندعو فيها للخلاص من المحتلين والمستوطنين المستعمرين, ونستند إلى قرارات الامم المتحدة الخاصة بالصراع العربي ـ الاسرائيلي, وقيام دولة فلسطينية مستقلة على جميع الاراضي المحتلة بحدود الرابع من يونيو 1967 وعاصتمها القدس, عملا بقرارات مجلس الامن الدولي, وخصوصا القرار رقم 252 الذي صدر بالاجماع في اعقاب عدوان 1967. وقرار بطلان ضم القدس للدولة العبرية, وكان مجلس الامن قد جدده بالقرار رقم 478 لعام 1980, مؤكدا عدم شرعية ضم القدس وتهويدها على يد المحتلين. في الوقت نفسه, ندعو لتطبيق قرار الامم المتحدة رقم 194 الضامن حق عودة اللاجئين, كما عاد لاجئو كوسوفو وتيمور الشرقية الى ديارهم, وكما يكثف الجهد الدولي لاعادة اللاجئين الافغان الى افغانستان. هذا منطق العصر, نقيضا لنهج لي ذراع مفردات العصر لترويج سياسة الاستسلام والخنوع والركوع امام ثقل الاحتلال وزحف وغزو الاستيطان على يد الذين خارج العصر ومفرادته, فتحت شعار (جديد العصر) يستخدمون شعارات تخدم الباطل وتعيدنا الى القرون الوسطى راكعين امام المحتلين. بين الفكرة الفلسطينية والدولة الفلسطينية مسافات شاسعة من الامل ومن الاخفاق وبين هذا وذاك نتحدث عن مستقبل لمنظمة التحرير الفلسطينية وعن مستقبل الشعب الفلسطيني والشعوب العربية؟ للصديق محمود درويش اكثر من اشارة تحمل رؤى وطنية بصيرة, ولنتذكر قصيدته الشهيرة حول عقد مؤتمر مدريد: الكمنجات تبكي على العرب الخارجين من الاندلس.. على الغجر الذاهبين الى الاندلس.. وكنا, يومها قد خرجنا للتو معا, من المشاركة في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر واتخذنا قرارات بالاغلبية الواسعة نشترط فيها تلقي ضمانات لوقف الاستيطان الزاحف قبل مؤتمر مدريد, ولكن الاخ عرفات ومن معه, كسروا قرار مجلسنا الوطني وذهبوا بشروط شامير ـ بيكر. فكرة الحرية والشمس الطليقة دائما اوسع من حدود اي دولة كبيرة او صغيرة, ولكل شعب ان يسعى لصون حقوقه الانسانية (البدائية) في الحياة والبقاء مع شيء من الكرامة. يقول درويش في القصيدة ذاتها: .. (من لا بر له.. لا بحر له) .. وفي تلك اللحظات كنا نغادر بيروت الى المجهول الى البحر. ولكن هل ادركنا البر اخيرا؟ فبعد هذا المشوار الطويل, مازال شعبنا بدون بر حر مستقل يضع عليه اقدامه. الذي حصل في (اوسلو) لا ينتمي الى قرارات الشرعية الدولية بل هو عودة الى الوراء, والارتداد على قاعدة ادعاء الدولة العبرية بأنها الوريث لفلسطين الانتدابية. لقد نزل (اوسلو) عند ضغوط وشروط (اسرائيل) بأن الارض متنازع عليها, ونتيجة لذلك, لم ترد اية عبارة لوقف الاستيطان. انه (الحكم الذاتي للسكان دون سيادة على الارض) وقد تم ذلك على المسار الفلسطيني وفقا لمشاريع الحكم الذاتي, على نسق خط سير كامب ديفيد ومشروع ريجان ومشروع شامير ـ رابين في مايو 1989, وهكذا تم وضع الشعب الفلسطيني في المجهول بينما الدولة العبرية تواصل مشروعها على الارض من موقع القوة وتوسيع الاستيطان, وهكذا اهدرت فرص تاريخية للتمسك بقرارات الشرعية الدولية.. وهؤلاء هم انفسهم اصحاب سياسة (الفرص الضائعة) والمشاريع المقامرة, المغامرة, بوضع قضايا الوطن والشعوب في المجهول متراجعين تحت ضغط سياسات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين, منساقين وراء لغة وخطاب شرقي شعاراتي يدعي لنفسه بأنها لغة اليوم.