بقلم خالد عمر بن ققه يدور الحديث هذه الايام عن التعاون المستقبلي بين الجزائر والولايات المتحدة الامريكية في المجال الامني والعسكري ايضا, وكانت اشارات سابقة من السلطات الجزائرية قد اشارت الى احتمال التعاون مع فرنسا في المجال العسكري متسائلة عن التأخير في هذا الموضوع, غير ان ماتقوم به الولايات المتحدة الامريكية يكشف عن قفرة امريكية في المنطقة, لا تخص الجزائر فقط وانما تشمل دول الاتحاد المغاربي جميعا, ومع ان وزير الخارجية الجزائري قد زار فرنسا وكللت تلك الزيارة بالنجاح واتبعت بزيارة ممثلي الشركات الفرنسية الى الجزائر, إلا ان ذلك كله لم يجعل الامور تسير على المستوى الذي يرغب فيه البلدان, ما يعني ان هناك جملة من القضايا العالقة بين البلدين يتوجب حلها, وهو ما تسعى اليه سلطات البلدين. وبغض النظر عن المحاولات المبذولة من طرف الجزائر لتوسيع علاقتها على الصعيد الدولي, متجاوزة تلك العلاقات التقليدية التي تعتبرها بعض الدول بمثابة امتياز فإن فرنسا من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية, كلتاهما تسعى بطريقتها للمحافظة على مصالحها من منطلق تطوير العلاقات وتدعيم موقف الجزائ, وتبدو الكفة راجحة في الظاهر لصالح الولايات المتحدة الامريكية لكونها قد اخذت طريق المساندة للسلطات الجزائرية منذ الانتخابات الرئاسية في 1995, اذ حسب مصدر جزائري مطلع (ان الادارة الامريكية قد ابلغت المسئولين الجزائرين انذاك تأييدها لكل المحاولات المبذولة لإعادة الشرعية والاستقرار, حتى لو حكمت البلاد المؤسسة العسكرية بشكل غير مباشر) ومنذ ذلك التاريخ تطورت العلاقات بين البلدين على مختلف الاصعدة. والواقع ان الولايات المتحدة الامريكية كانت قد انحازت بشكل ملحوظ الى الاسلاميين حين اعتقدت بوصولهم الى السلطة وتبنت مواقفهم بل انها دعمت بشكل غير مباشر ظاهر ما سمي انذاك بندوة روما (1) وندوة روما (2) ولكنها لم تحقق اي نجاحات لكون المعارضة ضعيفة, ولأنها ايضا قوبلت برفض داخلي لم يكن متوقعا, وهكذا اكتشفت الولايات المتحدة الامريكية ان المعلومات التي ادلت بها السلطات الجزائرية اكثر صدقا وهي المعبر الحقيقي عن الوضع الجزائري, هذا في الوقت الذي كانت فيه فرنسا منقسمة حول فكرة التأييد للشرعية, أو تأييد الاسلاميين بعد تكثيف الجماعات المسلحة لاعمالها على التراب الفرنسي, تلك العمليات التي اثرت على المواقف السياسية للسلطات الفرنسية تجاه الجزائر, بل واثرت ايضا على الدعم الاقتصادي امام الهيئات والبنوك الدولية. وبالنسبة للوقت الحاضر فإن الامور اختلفت تماما بعد وصول الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الى السلطة ـ لا لكونه يحظى بدعم جزائري من الداخل ولا لكونه جعل المواقف الجزائرية فعلا ولم تبق مجرد كلام كما كانت في الماضي, وانما لأنه جعل الفعل السياسي الجزائري مستعصيا على المتابعة لتعدده وتنوعه وثرائه, خصوصا بعد ان كثف نشاطه صوب الخارج, ولم تعد الجزائر تنتظر كما كانت في السابق اهتمام الاخرين بها, وانما حولت اهتمامهم الى حقائق واعمال تجلت في الشراكة والاستثمار وما الى ذلك, وهنا وجدت فرنسا نفسها امام وضع مختلف تماما عما كان في الماضي حيث قادت لمدة خمس سنوات حصارا اوروبيا غير معلن على الجزائر, ما تزال آثاره الى الآن, من ذلك الغياب الكلي لمكاتب شركات الطيران الاوروبي, التي عاد معظمها باستثناء شركة الخطوط الجوية الفرنسية. يلاحظ ان فرنسا لا تعمل الآن على الصعيد الجزائري فقط, وإنما على الصعيد المغربي او مايسميه البعض بشمال افريقيا لتطويق النشاط الامريكي في المنطقة, لكنها تواجه اصرارا امريكيا يتمثل في القفز المباشر للمنطقة, آخره تدعيم المنطقة بخمسة ملايين دولار والبحث عن كيفية لاحتواء ليبيا والعمل على الشراكة بين الشركات الامريكية والمغاربية الخاصة, ورغم هذا كله فإن فرنسا تعلن عدم اهتمامها بما يحدث, ويدلي مسئولوها بتصريحات تفيد دعمهم لكل الخطوات التي تبذل بهدف تحقيق نشاط اقتصادي في دول المغرب العربي. يبدو ان الدول المغاربية, وخصوصا الجزائر تتحرك الآن على وتيرة التناقض بين السياستين الامريكية والفرنسية اذ يصعب عليها في الوقت الراهن ان تميل الى واحدة على حساب الاخرى. صحيح انها تعد منطقة تقليدية لفرنسا, لكن الامور تغيرت الآن, ذلك لأن الاتحاد الاوروبي نفسه يواجه صعوبات على المستوى الدولي في القفز الامريكي على عدة مناطق من العالم اذ لم تعد الحدود السابقة للمصالح مقبولة ولا توجد القوة الحقيقية لفرض المصالح رغم التكتلات وهذا لا يعني انهاانتهت الى درجة لم يعد فيها وجود للمصالح المشتركة وانما تناقصت من طرف لتزيد عند الآخر. ان سياسة التطويق التي تعتمدها فرنسا في انقاذ مصالحها لم تعد مجدية ذلك لانها تخلت في الوقت المناسب عن دعم الدول التي هي في حاجة اليها ويرجع بعض المراقبون ذلك الى ضعف فرنسا نفسها وعدم قدرتها على التمييز خصوصا بالنسبة للمستقبل السياسي لكثير من الانظمة, ناهيك عن وجود جماعات ضاغطة ومؤثرة في عملية صنع القرار مع انها تعتمد ـ كما نعرف ـ على المؤسسات اكثر من اعتمادها على الاشخاص والجماعات, وانها تميز بوضوح بين الاستراتيجية والتكتيك في الوقت ذاته تعرف ان الظروف اصبحت مواتية للنشاط الامريكي في المنطقة ويصعب عليها منع هذا النشاط, لكن تحاول توظيف العوامل السابقة, مثل: قرب الموقع, الشراكة في المجالات المختلفة خصوصا الثقافية, الهجرة, الجاليات, وهذه العوامل جميعها تساعد على استمرار نشاط فرنسا في الدول المغاربية. تبدو المنطقة اذن بين تطويق فرنسا معتمدة على تركة الماضي بما فيها العلاقات وعلى حاجة الحاضر الى التعاون والشراكة وبين قفز امريكي لا يهمه البعد الثقافي بقدر بمايعنيه الاقتصاد خصوصا مصادر الطاقة وكونها على هذا النحو فإنها مرشحة لمزيد من توسيع تفاعلهامع الطرفين, وقد تفلح الولايات المتحدة الامريكية خصوصا مع الجزائر فيما عجزت عنه فرنسا, وذلك لعدة اسباب يمكن ذكر بعضها على النحو التالي: 1) إن الجزائريين ـ جميعهم ـ لا يكنون عداء تاريخيا للولايات المتحدة المتحدة الامريكية, الا ذلك العداء الخاص بموقف الولايات من القضية الفلسطينية, وبالتالي فإن النشاط الامريكي سيلقى ترحيبا لدى كثير من المثقفين ورجال الاعمال, خاصة المعربين. 2) أن الولايات المتحدة الامريكية اكثر تأثيرا على المنظمات الدولية والبنوك فيما يتعلق بتمويل المشاريع في الجزائر خصوصا أنها بدأت على الفور في الاستثمار والشراكة في عدة مجالات خصوصا النفط والغاز. 3) الشعور الجزائري العام بأن فرنسا نفسها تابعة في موقفها السياسي لامريكا, وبالتالي فإن رؤية الجزائر منذ 1992 تمثلت في اجراء اتصالات واسعة النطاق مع الولايات المتحدة الامريكية, وحسب احد المقربين من (الرئيس الراحل بوضياف) , فإن هذا الاخير حسم الامر حين سئل في جلسة خاصة عن الاولوية بالنسبة للسياسة الجزائرية الخارجية في التعامل مع فرنسا والولايات المتحدة الامريكية فقال: (اذا كان امام الانسان الاختيار لأن يكون عميلا فعليه ان يكون عميلا للسيد بشكل مباشر ولا يقبل ان يكون عميلا درجة ثانية, وبما ان فرنسا هي مجرد عميل وتابع للولايات المتحدة الامريكية فالافضل لنا التعامل مباشرة مع الولايات المتحدة...) الاسباب السابقة لا تنفي استمرار مقاومة فرنسا, وتوظيفها لعلاقاتها السابقة, وحسب بعض المراقبين فإنها تراهن على الادارة الجزائرية الفرنكوفونية التي لاتزال تدين بالولاء لفرنسا وذلك لضرب الاستثمار العربي والامريكي, غير ان هذه تعتبر مجرد مرحلة انتقالية انما المستقبل سيكون بلا ريب للذي يساعد على تحقيق مصالح اكبر للمنطقة ويبدو ان الجزائر تلعب مثل غيرها من الدول المجاورة على التنافس الفرنسي الامريكي في المنطقة وقد تذهب فيه بعيدا في ظل السياسة الحازمة والعلنية للرئيس بوتفليقة وما القول بالتعاون العسكري بين الولايات المتحدة والجزائر الا دليل على ذلك. وتعتبر المناورات العسكرية المقبلة بداية لتدشين مرحلة جديدة من العلاقات تعيد الجزائر الى موقعها الطبيعي رافضة التقيد بالمواقع القديمة للتقسيميات الاستعمارية وهذا مايقلق فرنسا لذلك تسعى لتطويق او لحماية ما تبقى من مكاسب في ظل عولمة شاملة للكل, لن تستطيع فيها مواجهة واقعها الداخلي فمابالك بمستعمراتها القديمة؟!