د. شفيق ناظم الغبرا في العالم العربي الغني بخيراته والمتقلب بسياساته حالة تسعى للاختيار بين عصر جديد وبين البقاء في عصر قديم. لكن الواقع الجديد الذي يتطور امامنا يؤكد لنا كل يوم ان البقاء على حالنا متجنبين الدخول في عصر التغير والانتقال سوف يعود بنا الى الوراء ويطرح علينا مخاطر جديدة اكثر قوة من مخاطر الماضي. بل ان الاساس الذي سيحدد موقع الدول العربية وقوة كل منها في المرحلة المقبلة لم يعد مرتبطا بالاطروحات السياسية القديمة التي سادت عالمنا بل اصبح الاساس الذي سيحدد موقع كل مجتمع عربي اكثر ارتباطا بالنمو في مجالات التعليم والمعرفة وبالمقدرة على تحويل طاقات الجيل الجديد والصاعد الذي يشكل اغلبية السكان اليوم نحو مجالات الانضباط والالتزام بعقيدة عمل تصب لصالح هذا الجيل, بل ان منطق تفكيرنا المقبل يجب ان يتحدد انطلاقا من مدى صعوبة القضايا التي تواجه بلادنا فقضايا الحصول على تكنولوجيا المعرفة الجديدة واتقان التعامل معها في ظل مواجهة قضايا الفقر والفساد والبيئة والصحة والتكاثر السكاني وتنويع مصادر الدخل وتطويرها من الصعوبة بمكان انها تتطلب نموا كبيرا في اساليب التفكير والتنظيم والعمل. وتقف في طليعة القضايا العربية الرئيسية مسألة القيادة واسالبيها. ففي العالم العربي وعلى مستوى المؤسسة الصغيرة والادارة الوسطى والمسئوليات الدنيا كما المسئوليات العليا هناك نقص كبير في وسائل القيادة الحديثة وتمسك في وسائل القيادة التقليدية التي تحولت الى عبء على التنمية والتطوير واستيعاب الطاقات. فالقيادة في بلادنا تتميز حتى الآن بالفردية التي تتجنب عمل الفريق وقيمه, كما انها تتميز بالمركزية التي تتجنب مشاركة الاخرين المسئوليات والصلاحيات وتتميز ايضا بغياب الرؤية والوضوح في رسم معالم الطريق على ادنى مستوى وتتميز اساليب القيادة في البلاد العربية ايضا بسواد روحية ردة الفعل عوضا عن الفعل والتأثير والتوقع والتهيؤ كماتتميز بأنها تضرب مثلا سلبيا في طبيعة النموذج الذي تقدمه للاخرين ولبقية افراد المجتمع. بالمحصلة هناك غياب حاد في العالم العربي لدور القيادة ومسئوليات القيادة في اعمال المؤسسات حكومية ام خاصة, بل ان توفرت هذه القيادة فهي تتوفر على اضيق نطاق وفي جيوب هنا او هناك. ولكن غياب القيادة في الواقع العربي ليس امرا نهائيا فالقيادة ليست فقط فنا نبتدعه ونكتسبه بالفطرة, بل القيادة علم له اصوله وله ادبياته واساليبه التي يمكن تعلمها بل بدأت تنشأ كليات لتعليم القيادة في اكثر من جامعة في العالم هذا يؤكد على ان الاتجاه في المستقبل هو للقيادة بكل مستوياتها فالعالم المقبل عالم يتطلب منا مواجهة المشكلات من خلال التفكير والابداع وهذا غير ممكن دون توفر قيادة على كل مستوى في مؤسسات المجتمع واوساطه. اننا اليوم وسط عصر يضع علينا مسئولية الانتقال من اسلوب في القيادة الى اسلوب اخر في القيادة لكن هذا غير ممكن بدون الكثير من التوعية والتنوير والتدريب بل ان الانتقال في وسائل القيادة سوف يكون المحك الذي يساعدنا في الانتقال من عصر الحكومة الكبيرة الى الحكومة المصغرة والانتقال من عصر تأسيس الصحف ووسائل الاعلام الحكومية ذات الابعاد المحدودة إلى بناء الصحف ووسائل الاعلام الخاصة التي تعبر عن اتجاهات متعددة وعن مصالح متفاعلة وعن آراء متواجهة, بل ان اتقان وسائل القيادة الجديدة اساسي لمقدرتنا على الانتقال من عصر الحروب والمواجهات الخارجية الى عصر السلام والبناء الداخلي. اليوم يقف العرب عند التقاطع الذي توقفوا عنده قبل عدة عقود فعصر الاستقلال وتأسيس الدول قد انقضى منذ عقود.. بل ان ما انجز في السابق مهما كان بسيطا مهدد اليوم ان لم ننجح في امتحان الانتقال الراهن. ان الانتقال من اساليب في القيادة السابقة والراهنة إلى اساليب حديثة هو المدخل للانتقال من عصر الى عصر. والسؤال اليوم: هل ننجح في هذا الانتقال قبل فوات الوقت والأوان؟