بداية الجفاء بين آل الميرغني والادارة البريطانية تزامنت تقريبا مع ظهور الاحزاب السياسية للمرة الاولى في تاريخ السودان. وعلى الفور وقع سباق بين الزعيمين الدينيين الكبيرين علي الميرغني وعبدالرحمن المهدي لاستقطاب قيادات النخبة المثقفة المنهمكين في تكوين تنظيمات سياسية متنافسة. وأخيرا برز الى حيز الوجود حزبان رئيسيان: (حزب الأمة) الذي ينادي بالاستقلال الكامل و(حزب الأشقاء) الذي ينادي باتحاد مع مصر. طائفة (الانصار) بزعامة المهدي صارت سندا لحزب الامة. اما آل الميرغني فقد ترجموا قطيعتهم للادارة البريطانية الى توجيه طائفة (الختمية) لمساندة حزب الاتحاد مع مصر. هنا اعود لأقول ان علي الميرغني لم يشأ ان تكون قطيعته مع البريطانيين كاملة فأوعز لاحقا الى بعض السياسيين من المقربين لانشاء حزب ثالث تحت اسم (الجبهة الوطنية) يواصل نيابة عن (الميرغني) استخدام قنوات الاتصال مع الادارة البريطانية. ابتداء من مطلع عقد الخمسينيات شرع البريطانيون في اعداد مشروع للحكم الذاتي يفضي بالسودان بتطور دستوري متدرج الى تقرير مصيره اما بالاستقلال الكامل او الاتحاد مع مصر. ولا يمكن القول ان آل الميرغني رفضوا, انطلاقا من مثالية سياسية, المشروع البريطاني. فالثابت ان علي اذ كان يدعم (حزب الاشقاء) في دعوته الى الاتحاد مع مصر فانه كان في الوقت نفسه يدعم (الجبهة الوطنية) التي كانت تتعاطى مع رجال الادارة البريطانية بشأن مشروع الحكم الذاتي والمسودة الدستورية التي اعدت له. ولم يكن مستبعدا تماما ان يقبل علي في نهاية الامر بالمشروع رغم معارضة القاهرة و(حزب الاشقاء) . لكن مرة اخرى يتغير مجرى التاريخ. فقد قامت ثورة 23 يوليو 1952 في مصر مما أدى الى تبلور اتفاق بريطاني مصري ينص على اجراء تقرير المصير للشعب السوداني عبر استفتاء عام تسبقه فترة انتقالية من الحكم الذاتي حددت بثلاث سنوات. وبناء على هذا التحول أجرى علي الميرغني حساباته واضعا في الاعتبار نهاية العهد البريطاني فقرر بصورة قاطعة ونهائية لا رجعة فيها مساندة دعوة الاتحاد مع مصر. كان حسابا صحيحا. لكن صحته كانت مؤقتة كما اثبتت التطورات اللاحقة. بتشجيع من القاهرة اندمجت كل الجماعات المنادية بالاتحاد مع مصر بدرجات متفاوتة مع بعضها البعض في حزب كبير حل محل (حزب الاشقاء) تحت اسم (الحزب الوطني الاتحادي) وبزعامة أشهر شخصية وطنية آنذاك ـ اسماعيل الازهري ـ وبدعم القاهرة والميرغني وقاعدة طائفة (الختمية) اكتسح الحزب الانتخابات البرلمانية للحكم الذاتي وشكل الحكومة الانتقالية مطلع عام 1954. كيف اذن اختلت حسابات آل الميرغني؟ قبل انقضاء الفترة الانتقالية للحكم الذاتي تحول الاجماع الشعبي ضد دعوة الاتحاد مع مصر, لكن آل الميرغني كانوا في هذه الاثناء قد ربطوا مصالح الاسرة مع القاهرة ربطا لا فكاك منه حتى اليوم.. فاضطروا للخروج عن الاجماع الشعبي الذي صار الان ينادي باستقلال كامل عن مصر. كان جمال عبدالناصر قد أقدم على خطوتين كان من شأنهما ايقاظ شكوك شعبية متنامية في السودان: فقد أقصى ناصر عن السلطة قائد الحركة الثورية اللواء محمد نجيب وأتبع ذلك بحملة بطش دموي ضد تنظيم (الاخوان المسلمين) .. وكلاهما, نجيب وتنظيم (الاخوان) كانا موضع ثقة ومحبة لدى جماهير الشعب السوداني في ذلك الحين.