في كل ما يحدث حولنا, نحن لا نعرف كل الحقيقة, وفي كل ما ينشر ويكتب ويقال في وسائل الاعلام وأوساط المجتمع المختلفة هناك نصف حقيقة دائما, ولذلك نستطيع أن نقول باطمئنان ان الرأي العام في مجتمعاتنا العربية والعالمثالثية يتأسس ويتكون على قاعدة نصف الحقيقة ولذا فهو رأي - للأسف - قاصر! والمعذرة للجميع. لماذا لا نعرف سوى نصف الحقيقة؟ ربما لان كل الحقيقة صعبة, وغير محتملة, صعبة على القنوات الناقلة - تحديدا وسائل الاعلام - وغير محتملة على صناع القرار ومتخذيه, ولذلك فبقدر ما تجامله وسائل الاعلام بقدر ما يكون صانع القرار ممتنا لها, وبالقدر نفسه, يضيع نصف الحقيقة المهم وتتكون رؤية ناقصة للأمور, وربما تصاغ قرارات على أرضية بكل هذه الضبابية, فتخيلوا كيف تكون هذه القرارات؟ حينما تحاول أن تقول كل ما تعرف, تقع في مأزق المواجهة غير المطلوبة مع البعض, أو كما عبر عنه أحد الكتاب: هو المأزق الذي يمكن تلخيصه في أن (المرغوب غير ممكن) بينما (الممكن غير مرغوب) فأنت ترغب في معرفة وقول ما يصنف بأنه محظور أو غير ممكن, بينما المتاح والممكن غير مرغوب من قبلك! اذن فما هو الحل؟ احد الاخوة الصحافيين قال لي إن معالجة بعض القضايا بحدة امر غير مرغوب من قبل الكثيرين, وحينما سألت لماذا, بينما هذه القضايا تشكل هم هؤلاء الكثيرين الذي يحتاج لمن يعالجه بحدة وصرامة, قال ربما بسبب شبكة المصالح المتجذرة, وقد فهمت لكنني لم اقتنع. ويقتنع البعض بحرية الرأي, وحرية التعبير والقول واستتباعا حرية الصحافة, وهذه مقولات فيها من الالغام والصعوبة الشيء الكثير, وتناولها لابد ان يتم على ارضية الواقع بجميع مؤسساته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية و.. وما لم تحدث هذه المقاربة أو الوضوح في الطرح, فان حديثا عن حرية الصحافة والقول والرأي يصبح (مرغوبا غير ممكن) أو كما بدأنا حديثنا حول نصف الحقيقة, وانا اعتقد ان عددا كبيرا من اخواننا الصحافيين والكتاب عندنا غير متأكدين من حدود هذه الحقيقة وخلفياتها وتفاصيلها, فهناك الكثير مما نعرفه والكثير الكثير مما نجهله, وللاسف فنحن نؤسس مواقفنا على ما نجهل لا على ما نعرف! بينما يراهن البعض على هذه المواقف بثقة لا ندري من اين يستمدها. وفي امريكا كما في موزمبيق, وفي بريطانيا كما في كل مكان, فان للسلطة اعتباراتها وكذلك لجماعات النفوذ والمصالح والسياسيين واهل الاقتصاد, وكل هؤلاء قد يضغطون باتجاه معين يتنافى مع حرية الصحافة وقد يقود الضغط إلى ما لا يمكن تقبله, لكننا نتقبله لانه يقدم لنا بالطريقة التي تقنعنا ولا تحاورنا, يعني بنصف الحقيقة.