عدة مرات احتفلت روسيا بانتصارها في الشيشان, وبعد كل مرة لم يمض وقت طويل قبل أن يعود القتال على أشدّه إلى هذه البلاد المنكوبة مخلفا عشرات القتلى والجرحى, لتضاف إلى آلاف القتلى والجرحى من الجانبين, ولتؤكد حقيقة سبق أن عززتها معظم تجارب التاريخ الإنساني, وهي ان القوة مهما بلغت شدتها وقسوتها لا تستطيع قهر إرادة شعب مصمم على دفع ضريبة الحرية وحق الاختيار وتقرير المصير. هذه الحقيقة عادت خلال الأسبوع الماضي إلى التكرار, فبعد أن حصد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصوات الروس الانتخابية ثمنا لقراره بإنهاء الأزمة الشيشانية عن طريق الحرب المدمرة, وقبل أن تحتفل موسكو بتثبيت رئيسها المنتخب, انفجرت براكين جبال (فيدينو) جنوب الشيشان لتطبق على مجموعة مقاتلة من قوات وزارة الداخلية الروسية, وكلما جاءت مجموعة عسكرية أخرى لدعم المجموعة الأولى وقعت بدورها في كمين شيشاني, مما اضطر روسيا لارسال ثلاث كتائب من القوات الخاصة مدعومة بالمدفعية والطيران لخوض معركة عنيفة متواصلة في تلك الجبال. ولقد اعترفت القوات الروسية أمس بمقتل 36 من خيرة قواتها و16 جريحا, وترافق ذلك مع الاعتراف بـ 145 قتيلا و151 جريحا خلال الاسبوع الماضي, وإعلان نائب رئيس الأركان عن حصيلة جديدة للضحايا الروس وصلت إلى حوالي سبعة آلاف قتيل وجريح في الشيشان. في المقابل لا تتحدث روسيا عن النزيف المتواصل في المدنيين الشيشانيين المشردين, ولا عن ضحايا المقاتلين الذين نفوا باصرارهم على القتال ما سبق أن أعلنه القادة الروس مرارا عن نهايات قريبة للحرب. إن ذلك كله يؤكد أن الحل في الشيشان لن يكون عسكريا أبدا, وانه لابد من حل سياسي يأخذ بعين الاعتبار حقوق الشيشانيين وتوقهم إلى التحرر بالاضافة إلى مصالح روسيا في المنطقة. أما إذا أصرت روسيا على تجاهل هذه الحقيقة الثمينة من دروس التاريخ فلن تفعل إلا المساهمة بالمزيد من حفر قبور جديدة سواء لجنودها أو لأبناء الشيشان, ولن يثمر ذلك إلا المزيد من زرع الأحقاد في قلوب الشيشانيين والمسلمين الروس المضطهدين, مما قد يؤدي إلى مزيد من توسيع دوائر الحرب والدمار التي تظل روسيا من أبرز الخاسرين فيها عسكريا واقتصاديا وبشريا وإنسانيا, وربما جغرافياً في النهاية. فهل تنتهي روسيا إلى التفكير السليم, خاصة بعد انتهاء مواسم الانتخابات؟! ذلك هو المأمول.