هذا موضوع طريف اعتقد انه يستحق بعض التأمل. اقصد بذلك موضوع الحوار ليس الحوار في موضوع بذاته او قضية معينة وانما الحوار بصورة عامة وبوصفه وسيلة لتبادل الافكار والآراء والمشاعر. درجت العادة انه حين يختلف الناس اختلافا شديدا فيما بينهم, حول مسألة ما, فإنهم يطلبون الحوار ويدعون اليه فهو كما يتضح هنا الوسيلة الاسلم لطرح ما يختلفون حوله, واحزمتهم خالية من الاسلحة. انه اذن يشبه هدنة المحاربين وبالفعل فإنه حتى في الحالة هذه فإن الهدنة غالبا ما يسبقها او يعقبها حوار من نوع ما وعلى مستوى معين, حتى وإن كان ضمنيا او صامتا. المثير في الامر كله هو ان الحوار لا يخرج في الواقع عن هذه الوظيفة. فهو لا يؤدي كما يتوقع الى انتقال القناعات بين الناس, او تغير الافكار والاعتقادات الراسخة لديهم. ولكن فقط وفي افضل الاحوال الى استبعاد الوسائل العنيفة في حل المشكلات. أي ان الحوار ينقل المتخاصمين من اجواء العداء البدائي والمكشوف الى اجواء العداء المضمر والمهذب وقد يحط بهم الى ارض التصالح, لكن من دون ان يؤدي الى الغاء اسباب الخصام او القناعات التي اوصلت اليه. وحتى هنا تبدو المسألة كلها مفهومة وربما مقبولة. المشكلة هي ان الناس يطلبون في العادة من غيرهم اكثر مما يعطون وفي حالة الحوار فإنهم يتوقعون بأنهم سيحلون ما عجزوا عن حله بالوسائل الاخرى. ينبغي ان نقول بأن هذا ليس اكثر من توقع, أو رغبة يحدوها الامل لكن في الوقت نفسه دون سند حقيقي في الواقع. فقناعات الانسان لا تتغير بين عشية وضحاها ومن الواضح ان الاراء التي يسمعها الانسان هنا او هناك, قد تترك اثرها قليلا او كثيرا عليه لكنها مع ذلك لا تتغلغل الى داخل اعماقه. انها تمارس تأثيرا مؤقتا, وتحت ظرف الحدث الآني, لكن الانسان ما ان يعود الى سويته الاولية او بيئته الاساسية حتى تزول تلك التأثيرات, وتخرج من جديد قناعاته الاصلية لتمارس فعلها الطبيعي. الواقع كذلك ان اي عصر يفرض في العادة مفاهيمه وطرقه لحل المشكلات المختلفة بين بني البشر. ففي القديم كان الاعداء يحلون مشكلاتهم بالحرب ويظهرون ازاء بعضهم البعض مشاعر العداء الواضحة وربما مظاهر التهديد الصارخ. لم يكن هؤلاء يهتمون كثيرا بتغليف كلماتهم او مشاعرهم بالدبلوماسية او بعبارات تموه ما يمور في دواخلهم فطبيعتهم البدائية تفرض نفسها, لغة وسلوكا. اما اليوم فإنه مهما بلغت الخلافات بين الناس او الجماعات او الدول فإنهم يحافظون على درجة لا بأس بها من الالتزام بأدب الخلاف, اذا صحت التسمية. ان السبب في ذلك لا يعود الى انتشار القيم العصرية بين الناس وما تتطلبه من اساليب وفنون التعامل المهذب و(الحضاري) . وانما يعود بالدرجة الاولى الى نمو مصالح البشر وتشابكها بصورة كبيرة ومعقدة الامر الذي يجعل الخلافات والحروب مكلفة لجميع المتخاصمين. انهم يقيمون مدى الخسارة والربح في كل تصرف او اجراء يتخذونه ازاء الغير فإذا كانت الخسارة فادحة, فإنهم يطلبون حل المشكلة بالود او بالتي هي احسن. أما اذا كان الربح مضمونا ووفيرا, فإنهم يتصرفون بما تميله عليهم رغبة الاستحواذ والامتلاك ولا يسألون في ذلك احدا. وهكذا فإن الحوار هو في جوهره, وفي المحصلة النهائية محاولة لتعظيم الفائدة/ المصلحة, او لحمايتها من الضياع. مشكلة كثير من الناس انهم يعتقدون بأن الجنوح للسلم او الحوار طبيعة اصيلة في الانسان. وانه يكفي لايقاظ هذه الطبيعة ان تلقي عليه المواعظ والخطب في فوائد السلم والحوار, وفي مضار ومثالب الحرب والخصومات. يتصور هؤلاء ان الانسان سوف يستجيب لهذه المواعظ مباشرة بعد سماعها فيقوم من ساعته بحل خلافاته مع الاخرين ويطلب منهم الصفح والاعتذار! انهم لا يدرون بأن المصلحة هي الجزء الاصيل من بنية الانسان, وكل ما عدا ذلك يدور في فلكها ويوظف من اجل خدمتها. الواقع اذن ان المسألة هي اعقد مما تبدو بكثير فالانسان لا تحركه المواعظ او النصائح, ولا يفيد فيه تحريك الضمير وانما تحركه مصالحه حين تتعرض للخطر, ويصبح انقاذها (كلها او بعضها) مهمة آنية. أو حين تتطلب هذه المصالح التوسع والانتشار والنمو. حين يحصل ذلك ولا يكون ثمة مجال لاستخدام وسيلة تقليدية اخرى يلجأ الانسان الى الحوار وفي ذهنه ليس التخلي او التنازل عن افكاره التي يصون من خلالها مصالحه, او يوسعها وانما توفير الارضية الممكنة لتحقيق نفس الاغراض ولكن بصور اخرى. هل يتمكن من تحقيق ذلك أم لا, تلك قضية اخرى وهي مرهونة بعوامل وظروف كثيرة انما المهم هو ان اللجوء للحوار هنا ليس بديلا عن الاشكال التقليدية للعداء وادارة الخلافات بقدر ما هي محاولة لمنع هذه الاشكال من التحول الى طابع عنيف او مدمر للمصالح. ونستطيع ان نرى ذلك بوضوح في علاقات الدول بعضها ببعض فالدول التي تجد مصالحها متناقضة قد تفكر في الحرب اذا تضررت هذه المصالح بصورة كبيرة او غير قابلة للتعويض. كما انها قد تفكر في خوض الحرب اذا احتاجت مصالحها للتوسع والنمو, ولم يكن ثمة مجال آخر لذلك سوى الحرب. غير انها قد تلجأ للحوار او التهادن فيما بينها حين تكون تكلفة الحروب مساوية تقريبا لتلك المصالح التي يراد الحفاظ عليها او تنميتها. بيد أن هذا الحوار الذي قد ينجح او يفشل لا يلغي التناقض في المصالح او ينفيه. ومن هنا فإنه لا يوجد شيء يمنع هذه الدول من استئناف الحروب فيما بينها بعد جولات فاشلة من الحوار. ان ما اردنا قوله هنا هو ان أي انسان سيرتكب خطأ فاحشا ان هو اعتبر ان الحوار في حد ذاته يشكل بديلا عن الاختلاف. والاجدر اعتباره نقطة فاصلة بين حربين او معركتين قد يتغير بنتيجته شكل الحرب او المعركة لكن جوهر الصراع باق ومستمر, طالما ان ثمة مصالح متناقضة وبحاجة الى حماية او تمدد. نقول ذلك لأن كثيرين يعتقدون بأن الشروع في الحوار (أو الاستمرار فيه) كفيل بحل المشاكل المختلف حولها واشاعة الود والوئام والتصالح بديلا عن التوتر والمشاحنة والخوف. ولسنا بحاجة لإعادة القول بأن هذا ضرب من الوهم الناتج في الاساس عن سوء التعامل مع المصطلحات او اساءة فهمها من ناحية ومن ناحية اخرى ضعف المصلحة التي يتصدى هؤلاء للدفاع عنها او تنميتها. والصحيح ان الحوار, وشأنه في ذلك شأن العديد من الوسائل التي يلجأ إليها البشر في اطار التواصل الانساني فيما بينهم يتيح الفرصة للاقتراب والتعرف والاكتشاف, ولكنه ابعد من ان يغير ما في نفوس البشر. ولعل اصدق تعبير له هو (حوار الطرشان) لولا ان كل حوار في الواقع هو حوار طرشان, اإذن تخلينا عن الادعاءات و(التزويق) اللفظي وذاتيتنا الفظة.