مغادرة السيد محمد عثمان الميرغني زعيم طائفة (الختمية) الدينية ورئيس (الحزب الاتحادي الديمقراطي) الخرطوم نهائيا عام 1990 لم تكن إيذانا لدخوله تجربة المعارضة الخارجية للمرة الأولى في حياته فحسب, بل ايضا للمرة الأولى لممارسته المعارضة من حيث الاطلاق. وإذا كان السيد محمد عثمان الميرغني يتولى اليوم رئاسة (التجمع) السوداني المعارض الذي يقف في مواجهة الحكم السوداني الحاضر الذي يسيطر عليه حزب (الجبهة القومية الاسلامية) فإن التاريخ السياسي المعاصر للسودان يفيد بأن آل الميرغني ظلوا يفضلون عادة التواؤم مع أي نظام حاكم على معارضته. ومع الأخذ في الاعتبار معارضتهم للنظام الراهن فإن الموقف المعارض الذي اتخذوه بجدية هو موقفهم تجاه الثورة المهدية الاسلامية خلال الربع الاخير من القرن التاسع عشر. هذا الموقف التاريخي لعميد الأسرة آنذاك السيد محمد عثمان الكبير هو الذي مهد لابنه السيد علي حظوة لدى الادارة البريطانية التي تولت حكم السودان (بالتعاون مع مصر كشريك أصغر وأقل أهمية) في اعقاب دحر دولة المهدية عام 1898 بجيش غازٍ بقيادة الجنرال هوراشيو كتشنر. لمدى أكثر من أربعين سنة تاليه ظل السيد علي الميرغني يمثل الزعامة الدينية والسياسية الأولى في البلاد التي تعتمد عليها الادارة البريطانية مما انعكس على الأسرة ثروة ونفوذاً. لكن مع حلول اوائل أربعينيات القرن العشرين أخذ الوضع يتغير فقد رأى رجال الادارة البريطانية الحاكمه ان يتحولوا من سياسة الاعتماد على زعيم ديني واحد الى سياسة المراهنة على زعيمين يتسابقان في تنافس الولاء للادارة.. وبذلك دخل في الصورة آل المهدي بزعامة السيد عبدالرحمن. كانت موازنة دقيقة ولعبة ذكية ادارها بمهارة فائقة السير دوجلاس نيوبولد (السكرتير الاداري) .. وهو لقب بمثابة رئيس وزراء في دولة مستقلة. وقد بلغ ولاء السيد علي ـ كغريمه السيد عبدالرحمن ـ للادارة البريطانية ان ارتضى قبول عضوية أو هيئة دستورية يبتكرها الحكام الانجليز للبلاد (المجلس الاستشاري لشمال السودان) رغم معارضة النخبة المثقفة آنذاك لهذا المشروع. ومرة أخرى تغير وضع الصورة السياسية العامة. فقد مات سير دوجلاس نيوبولد عام 1942 ليخلفه رجل ليس بنفس القدر من الكياسة والمرونة: السير جيمس روبرتسون. لقد أخل سير جيمس بالموازنة الدقيقة بتبني سياسة جديدة تقضي بتفضيل آل المهدي على آل الميرغني. ومع تنامي مشاعر الشك وخيبة الأمل لدى آل الميرغني تجاه هذه السياسة وقعت حادثة صارت نقطة تحول في المسار التاريخي للاسرة. فقد رفضت الادارة البريطانية للمرة الأولى طلبا للسيد علي. كان لآل الميرغني عدد من المشاريع الزراعية التي تعتمد على طلبمات الري من النيل. وكانت التراخيص الحكومية لهذه المشاريع تجدد سنوياً بصورة روتينية, لكن هذه المرة رفض السير جيمس تجديد بعض التراخيص لآل الميرغني.. كما رفض إصدار تراخيص لمشاريع جديدة. (القشه التي قصمت ظهر البعير) هي خير مثل ينطبق على هذه الحادثة. و(ظهر البعير) في هذه الحالة هو العلاقة الخصوصية الطويلة بين آل الميرغني والادارة البريطانية. منذ ذلك الحين وحتى نهاية الحكم البريطاني في عام 1956, تحول السيد علي الى المراهنة على الشريك الآخر في الحكم ـ مصر ـ لكن مع ذلك لم تكن قطيعته مع البريطانيين قطيعة كاملة.