منذ سنوات عدة وقف العجوز المحنك وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في أحد المحافل الفرنسية وقال بصراحة سمجة: أرجو ألا ينزل الله بي عقابه بسبب الخطيئة التي ارتكبتها بغير إرادتي, لقد أحببت هذا الرئيس العربي المسمى بحافظ الأسد من خلال لقاءاتي العديدة به. واليوم تخوض سوريا مباحثات السلام مع (إسرائيل) من خلال العراب كلينتون, وآخرها قمة جنيف التي فشلت برغم كل الدعوات (المصادقة) التي سبقتها وكل الدفع والشحن السياسي والنفسي الذي مورس على المفاوض السوري و(الإسرائيلي) معا. اليوم يبدو حافظ الأسد وكأنه قدَّ من صخر, مفاوضا عنيدا, لا يتزعزع عن موقفه بمقدار مليمتر واحد, وهو يعلم انه إذا سارع بالتوقيع كما فعل من سبقه فلن يحصل على شيء بعد ذلك, المفاوض المحنك حافظ الأسد يريد كل الضمانات قبل التوقيع, حتى لا يكون كالذي يشتري سمكا في البحر. كل الأوراق التي تمتلكها سوريا ستتساقط بمجرد توقيع اتفاق سلام مع (إسرائيل) : موقع سوريا الأمني في الشرق الأوسط, رهانات حزب الله, العلاقة بإيران, شبكة الاتفاقات مع بعض دول الخليج, هذه كلها أوراق (جوكر) لن تعود كذلك إذا وقعت سوريا مع إسرائيل ببساطة مصدقة عهود باراك وضمانات كلينتون, فقد ثبت ان هؤلاء يمسحون حبر الأوراق قبل أن تطلع عليه شمس اليوم التالي, ولذلك فحافظ الأسد محاور عنيد ومفاوض لا يمكن القفز فوق قناعاته ومطالبه, ولانه كذلك أحبه كيسنجر, أو لنقل بدقة: احترمه. فأنت تحترم القوي دائما حتى وان كان عدوك. وفي مكتبه في تل أبيب أجرت جريدة (الحياة) اللندنية حوارا مع الداهية الاسرائيلي شيمون بيريز ذي السجل السياسي الحافل كزعيم لحزب العمل الاسرائيلي ووزير خارجية سابق ورئيس للحكومة عددا من المرات, ومرشح لها في انتخابات 1996 التي خسرها أمام نتانياهو, والذي يشغل في حكومة باراك الحالية منصب وزير التنمية الاقليمية, وفي هذا الحوار قال بيريز كلاما عن حافظ الأسد له مغزاه. بيريز يقول إن (الرئيس حافظ الأسد هو القائد العربي الوحيد الذي لا يعاملنا نحن (الاسرائيليين) كبشر! ويتساءل لماذا؟ ثم يجيب نفسه: السادات جاء إلى الكنيست, وكان الملك حسين على أفضل ما يكون معنا, وعرفات بدأ بموقف الغاء الميثاق الوطني ثم استمر في التغيير بعد ذلك) . فماذا نفهم من كلام بيريز؟ هل هو تقدير واحترام لموقف أول رئيس عربي عنيد مع الاسرائيليين. أم انه مجرد رسالة يريدها بيريز أن تصل للأسد عبر الاعلام؟ سؤال صغير راودني وأنا أقرأ كلام كيسنجر: لماذا لم يحب كيسنجر السادات صديقه في مسيرة السلام بدل حافظ الأسد؟