بقلم احمد عمرابي هل فشل مشروع (الوئام الوطني) في الجزائر؟ ان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة, صاحب المشروع في الظهور... على خلفية استمرار احداث القتل في شرق العاصمة وغربها وجنوبها ربما يوحي بالفشل. لكنه فشل ليس بلا حيثيات. مشروع الوئام الوطني صدر رسميا كقانون في يوليو الماضي... وهو ينص على عفو عام عن الاسلاميين المسلحين الذين لا يثبت ارتكابهم جرائم قتل او اغتصاب او زرع قنابل في الاماكن العامة. ومنذ منتصف يناير هذا العام, الموعد النهائي لمهلة العفو العام, بلغ عدد ضحايا احداث القتل الغامضة 470 شخصاً. فلماذا يتواصل القتل؟ ومن المسئول؟ وهل كانت الاستجابة لداعي العفو ضعيفة؟ هناك كما نعلم ثلاث منظمات مسلحة في الجزائر تحمل شعارات اسلامية: (جيش الانقاذ الاسلامي) , وهو الذراع العسكرية لحزب (جبهة الانقاذ الاسلامي) , والجماعة الاسلامية المسلحة بقيادة عنتر الزوابرى, و(الجماعة السلفية للدعوة والقتال) بقيادة حسن حطاب. من بين هذه المنظمات المسلحة الثلاث, تجاوب مع مشروع الوئام الوطني (جيش الانقاذ الاسلامي) وحده, بينما اعلنت المنظمات الاخريات باصرار على مواصلة العنف خارج القانون. لكن الآن تتجمع بوادر ازمة بين قادة (جيش الانقاذ) والرئيس بوتفليقة فد تنتهي الى الاطاحة بمشروع الوئام نهائياً. والسبب الرئيسي للازمة هو ان هؤلاء القادة يتهمون الرئيس بالتنكر لشروط الصفقة التي بموجبها وافقوا على القاء السلاح وتسريح تنظيمهم العسكري, ووضع كوادرهم المسلحة تحت تصرف الدولة. الشرط الرئيسي في الصفقة هو اطلاق سراح زعيمي قادة (جبهة الانقاذ الاسلامي) المفروض عليهم اقامة جبرية... وفي مقدمتهم عباس مدني وعلي بلحاج.. والترخيص للجبهة بممارسة العمل السياسي السلمي المشروع كحزب عادي علما بأن قادة (جيش الانقاذ) لا يصرون على ان يحتفظ مدني وبلحاج بمنصبيهما القياديين في هذه الحالة. بالاضافة الى ذلك فان الرئيس بوتفليقة لم يتجاوب مع مطلب قادة (جيش الانقاذ) بان تنضم كوادرهم القتالية من (التائبين) الى جيش الدولة في ملاحقة مقاتلي المنظمتين الاخريين: (الجماعة الاسلامية المسلحة) و(الجماعة السلفية للدعوة والقتال) . لماذا اذن يتصرف الرئيس بوتفليقة على هذا النحو؟ لماذا يقطع نصف الشوط نحو انجاز متطلبات احلال الوئام الوطني الشامل الكامل ثم يتوقف؟ لم يبدر حتى الآن من الرئيس ما يمكن ان يصلح اجابة او حتى اساساً لاجابة على هذا السؤال, لكن سكوته يغري المراقبين بالتخمين على اساس ما هو متوفر من معطيات على ارض الواقع الجزائري. اولى هذه المعطيات ان الرئيس, بقدر ما هو متحمس لتنفيذ طموحه الوطني في تحقيق وئام جزائري كامل بقدر ما هو غير راغب في التصادم مع قيادات المؤسسة العسكرية ـ القوة الحقيقية ـ المسيطرة على اجهزة السلطة الجزائرية منذ الاستقلال الوطني عام 1962. على الطرف الآخر من المعادلة تمثل (جبهة الانقاذ الاسلامي) القوة السياسية الشعبية الاولى في البلاد. واذا ما اطلقت الحريات العامة في اطار وئام وطني مبني على الديمقراطية التعددية فان اكتساح الجبهة لأي انتخابات عامة امر يكاد يكون حتميا (كما جرى في آخر انتخابات اواخر عام 91) لكن هذا هو اخر ما يريده قادة الجيش... ويفعلون كل ما في وسعهم لمنع عودة الجبهة الى العمل السياسي المكشوف. ولان اصرار الجيش على حظر نشاط الجبهة تماما يتطلب بالضرورة تحجيم المساحة الديمقراطية العامة فإن الوئام الوطني الكامل لن يتحقق. اسوأ من ذلك ان يتعاظم التوتر القائم الان بين قادة الجبهة وقادة جيش الانقاذ من ناحية والجيش ومؤسسة الرئاسة من ناحية اخرى فيفضي الى عودة حالة العنف الشامل.