لقاءات القمة الأوروبية التي تضم قادة وزعماء دول الاتحاد الأوروبي, والتي تعقد بشكل دوري في عاصمة الدولة التي يحل الدور على رئيسها أو رئيس وزرائها تولي دفة الأمور مؤقتا ولمدة ستة أشهر بمساعدة المجلس الأوروبي ورئيسه, أصبحت تمثل بالنسبة لرجل الشارع العادي في مجموع تلك الدول علامة على التقدم نحو مزيد من التخلي عن الدور الوطني على المستوى المحلي, للسير خطوات نحو خلق الهوية الإقليمية الأوروبية الكبرى, التي يتم المعاكسة, وفي الوقت نفسه ينعكس في الإعلام أيضا مدى تقبل رجل الشارع للتوجهات التي يسير باتجاهها زعماء دول الاتحاد المجتمعين في العاصمة الأوروبية المؤقتة بفترة قيادتها. وكما كانت الاجتماعات السابقة التي تم عقدها خلال فترة التسعينيات علامات مميزة على طريق الاتحاد الأوروبي, خاصة في ظل الارتباط الوثيق بين القيادتين الألمانية والفرنسية, التي شهدت في ظل المستشار السابق هلموت كول والرئيس فرانسوا ميتران تحالفا عميقا, منحها قوة الدفع التي سارت بالاتحاد الأوروبي في اتجاه الاستقلالية بعيدا عن السياسة الغربية العامة, التي تخضع في عمومها للتوجهات الأمريكية, فإن القمة الأخيرة التي شهدتها العاصمة البرتغالية لشبونة الأسبوع الماضي , كانت علامة أخرى تختلف عن العلامات السابقة, رجل الشارع الأوروبي, والعالم كله تابع باهتمام تلك القمة باعتبارها قمة الألفية, وفي الوقت نفسه القمة الأولى التي يغيب عنها التحالف الألماني الفرنسي الوثيق, وتحل محله قوة جديدة تتمثل في زعماء دول كانت حتى الآن (هامشية) في المسيرة الأوروبية, ولم يكن لهم الثقل السياسي الذي كان لزعماء ألمانيا وفرنسا, ولكنهم أصبحوا اليوم محط أنظار أوروبا والعالم. مثل الأسباني خوسيه ماريا أزنار, الذي يحضر تلك القمة متباهيا بالأغلبية البرلمانية التي حصل عليها حديثا في انتخابات الثاني عشر من مارس الجاري, أي قبل أسبوعين فقط, والبريطاني توني بلير الذي يسير بثبات الكاهن الذي يبشر بطريق جديد في السياسة والاقتصاد, يطلقون عليه اسم (الطريق الثالث) , وينضم إليهما رئيس الوزراء الإيطالي الذي يبحث لبلاده عن مكان تحت شمس أوروبا, وبالطبع لا يمكن نسيان (المضيف) للقمة, رئيس الوزراء البرتغالي أنطونيو جوتيريس, الذي يريد أن يلعب دورا تاريخيا في الاتحاد الأوروبي, وأتيحت له الفرصة بحصوله أيضا على أغلبية مكنت حزبه الاشتراكي من القبض على زمام الأمور في بلاده بعد سنوات طويلة من الأغلبيات النسبية. إلا أن هذا الاهتمام من جانب رجل الشارع لم يجد ما يمكن أن يعتبر المكافأة التي كان ينتظرها, فقد انحصرت القمة في الحديث عن سبل اللحاق بالتقدم التكنولوجي, ودخول هذا السباق مع الولايات المتحدة التي أصبحت لها اليد الطولى في أي تقدم جديد يطرأ على (الانترنت) , الذي أصبح وسيلة أي تقدم جديد في عوالم مختلفة, من أول التجارة والاقتصاد وحتى السياسة والحرب. هذا الاهتمام من جانب القادة الأوروبيين بالتكنولوجيا الحديثة يمكن أن يلبي مطلبا شعبيا كبيرا, خاصة القرارات التي تؤكد على أهمية تخفيف الأعباء المادية عن العامة للحصول على تلك التكنولوجيا, من خلال وضع كل الإمكانيات التقنية والمادية التي تسمح لأي مو اطن بالحصول على مفاتيح الدخول إلى عالم الانترنت بشكل سهل وبسيط ورخيص. أيضا قررت هذه القمة توفير الإمكانيات التكنولوجية والمادية التي تجعل من الانترنت وسيلة من وسائل التعليم العامة المتاحة للجميع مجانا أو بأرخص ثمن, وذلك من خلال توفير خدماتها في جميع مراحل التعليم, وتدريب المدرسين على تلك الوسيلة التعليمية الجديدة لدفع جيل جديد من الفنيين المتخصصين إلى سوق العمل, التي أصبحت تحتاج هذه النوعية من الأعمال, وأيضا فتح فرص العمل أمام ناتج هذه الوسيلة الإعلامية لوقف نزيف (هروب العقول) باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية, التي أصبحت (جنة التكنولوجيا) لكل من يجيد التعامل معها بحثا عن فرص جديدة للحياة المعاصرة. لذلك يمكن تسمية (قمة لشبونة) بقمة (الانترنت) , لأنها في بحثها عن التقدم التكنولوجي لم تنظر إلى عامة الشعب فقط, بل نظرت إلى الشركات التي أصبحت عماد الدولة, بعد أن تخلت الدولة عن دورها في ظل (اقتصاد السوق) , فالشركات على الرغم من تطور دورها وتحررها من قيود الساسة والسياسة, في حاجة إلى مزيد من التطور التكنولوجي حتى يمكنها أن تواجه المنافسة الخارجية, خاصة مع الشركات الأمريكية واليابانية. وان كان هذا التوجه مزدوجا من جانب القمة الأوروبية, لأن دعم الشركات بأدوات التكنولوجية الجديدة يعني خلق مزيد من فرص العمل أمام رجل الشارع العادي , وصولا إلى القضاء على شبح البطالة نهائيا, وهو الهدف الذي أعلن عنه رئيس الوزراء الاسباني وتحمس له رئيس الوزراء البريطاني, وان عارضه رئيس الوزراء الفرنسي باعتبار أن توفير فرص العمل ـ في رأي فرنسا ـ يجب أن تكون مسئولية مشتركة بين الشركات والدولة, ولذلك لا يمكن أن تحصل الشركات على تسهيلات للحصول على مزيد من المكاسب دون أن تدفع جزءا من ثمن تلك التسهيلات في شكل فرص عمل جديدة مع توازن بين المكاسب وتوفير الخدمات الاجتماعية. كل هذه القرارات التي اتخذها زعماء دول الاتحاد الأوروبي في لشبونة, على الرغم من أهميتها, لم تقدم لرجل الشارع الأوروبي كل ما كان منتظرا من تلك القمة, لأن رجل الشارع الأوروبي لا يزال يبحث عن الخطوات التي تسير باتجاه هدف كان من أول الأساسيات التي قام عليها الاتحاد, والتي ضحى المواطنون في كل دولة بهويتهم الوطنية من أجلها: خلق الهوية العامة للمواطنة الأوروبية. قمة لشبونة لم تتحدث عن أي شئ خاص باستقلالية القرار الأوروبي في مواجهة الأحداث الدولية, خاصة أن جزءا من أوروبا يقع في إطار تلك الأحداث, كما هو الحال بالنسبة لما وقع ولا يزال يقع في كوسوفو, أو ما حدث مؤخرا في الشيشان وأفريقيا, لأن رجل الشارع الأوروبي لم ينتظر هذه المواقف المتخاذلة واللامبالية التي اتخذها زعماؤه لمجرد أن الولايات المتحدة لم تتخذ موقفا محددا من تلك الأحداث, ولا يزال ينتظر أن يكون التوجه الأوروبي العام في المشاركة الدولية نابعا من قرار أوروبي ذاتي, وليس تابعا لقرار خارجي كما هو الحال الآن, وهو الأمر الذي يرى المراقبون أنه لا يزال بعيدا عن التحقيق, وبشكل خاص في ظل غياب محور: ألمانيا وفرنسا, وتنامي نفوذ زعماء لهم توجهات تابعة للسياسة الأمريكية مثل بلير وأزنار, لأن كليهما معجب بما تحققه الولايات المتحدة على صعيد الاقتصاد الوطني الداخلي, ولا يريد أي منهما الخوض في مياه السياسة الدولية العكرة دون الإمساك بالبوصلة الأمريكية. من هنا كانت (القمة البديلة) التي عقدتها النقابات العمالية والاتحادات الطلابية والمنظمات غير الحكومية والجمعيات والجماعات الاجتماعية الشعبية الأوروبية في حدائق (بليم) التي تقع على خمسمائة متر فقط من مكان انعقاد القمة الأوروبية الرسمية في العاصمة البرتغالية , هذه القمة البديلة تمثل (القمة الشعبية) في مواجهة (القمة الرسمية) , حيث طالب المجتمعون بمزيد من الحقوق العمالية في مواجهة تحرر عقود العمل من أية التزامات على الشركات وأصحاب الأعمال, حتى لا يصبح ـ في رأيهم ـ خلق فرص العمل مجرد أرقام من العمال تتزايد بلا مقابل مادي حقيقي يحقق استقرارا اجتماعيا. لأن هدف خلق مزيد من فرص العمل, في رأي القمة البديلة, الذي يتحمس له كل من رئيس الوزراء الأسباني ورئيس الوزراء البريطاني لا يمكن أن يتحقق لمجرد رفعه كشعار, أو تحقيقه مقابل تنازلات يقدمها العمال إلى الشركات وأصحاب الأعمال ورؤوس الأموال. مطالب القمة البديلة تمثل صوت (الشعوب) الأوروبية في مواجهة السياسات (الرسمية) التي ينفذها زعماء اختارتهم تلك الشعوب, لذلك لتحقيق مطالب (القمة البديلة) مطلوب سياسة جديدة ينفذها سياسيون جدد, وهو أمر صعب في ظل (الاحتراف) في العمل السياسي في ظل النظام الديمقراطي الأوروبي , وحتى يمكن تحقيق ذلك لا بد من ثورة, لكن بما أن (الزمن الثوري) ولى وانتهى بانتهاء الأيديولوجيات , فإن (القمة البديلة) يكون دورها (فرملة) السياسات الرسمية, أو على الأقل التحذير من خطورة التمادي في السباق بين السياسيين المحترفين لإرضاء الشركات الكبرى ورؤوس الأموال.