لماذا اندهش كلينتون،بقلم احمد عمرابي

للمرة الأولى من بدء عملية (سلام الشرق الاوسط) يقول قائد عربي للولايات المتحدة (لا) . هذه هي الخلاصة النهائية لتلك القمة التي جمعت بين الرئىس السوري حافظ الاسد والرئيس الامريكي بيل كلينتون في جنيف. فأين تسير الامور بعد ذلك؟ باجماع كل الاطراف المعنية ـ دمشق وواشنطن وتل ابيب ـ انتهى اجتماع القمة الى فشل رغم ما سبقه من تهويل اعلامي من وسائل الاعلام الامريكية. وكان سبب الفشل أن الرئيس الامريكي جاء الى جنيف لا كوسيط محايد وانما كمحامٍ عن رئيس الحكومة الاسرائىلية إيهود باراك. فقد كان محور الاجتماع طلبا امريكياً الى الرئيس الاسد لكي (يقدر الموقف الصعب) للزعيم الاسرائىلي. كانت هذه اشارة الى خلافات داخل الائتلاف الاسرائىلي الحاكم بزعامة (حزب العمل) الذي ينتمي اليه رئىس الحكومة, حيث ظلت قوى سياسية اخرى داخل الائتلاف تهدد بالخروج على الحكومة في حال موافقة باراك على انسحاب اسرائىلي بالكامل من هضبة الجولان السورية من المحتم ان يضع نهاية للسيطرة الاسرائىلية على مصدر هام للمياه العذبة يتمثل في بحيرة طبريا. هذا هو (الموقف الصعب) الذي طلب الرئىس كلينتون من الرئىس الاسد (تقديره) من أجل انقاذ رئىس الحكومة الاسرائيلية من ورطته الداخلية. بكلمات أخرى فإن المطلوب هو تنازل من الطرف السوري عن مطلبه بالانسحاب الكامل الشامل من الجولان حتى تستأنف المفاوضات لتمهد لاتفاق نهائي تقبل فيه دمشق باستمرار السيطرة الاسرائىلية على بحيرة طبريا. هنا قال الرئيس السوري دون تردد: لا, وانتهى الاجتماع بذلك الى طريق مسدود. ولاشك ان الرئىس الامريكي فوجىء بهذه الاجابة الفورية القاطعة. ويمكن لنا أن (نتفهم) اندهاش رئيس الدولة العظمى الذي يعتبر نفسه محامي القضية الاسرائىلية. ذلك أن الطابع العام لعملية سلام الشرق الاوسط منذ بدايتها الاولى في سبعينيات القرن الماضي على عهد الرئىس السادات, ومنذ بدايتها الثانية في النصف الاول من التسعينيات ظل هو التنازل تلو التنازل من جانب الطرف العربي وحده. ومع هذا التراكم التنازلي لاشك أنه تبلورت في البيت الابيض الامريكي قناعة بأن اي اتفاق سلام يجب ان يكون مبنياً بالضرورة على تنازلات من الطرف العربي وحده. ومن هنا كان اندهاش كلينتون.. فها هو يسمع للمرة الأولى قائداً عربياً يقول دون تردد: لا للتنازل. كيف تسير الامور بعد ذلك؟ ربما لن نعرف الاجابة على هذا السؤال إلا في يوليو أو بعده.. الشهر الذي حدده باراك لانسحاب اسرائىلي أحادي من الجنوب اللبناني. لقد اتخذ باراك قرار الانسحاب بأمل فصم المسار اللبناني عن المسار السوري. تغادر القوات الاسرائىلية المحتلة وجيشها العميل الاراضي اللبنانية.. بالتالي يتوقف (حزب الله) نهائيا عن المقاومة المسلحة.. وبذلك تفقد دمشق ورقة ضغط هامة.. فتضطر الى اتخاذ موقف تنازلي في المفاوضات. هذه هي نظرية باراك ... لكنها تبقى نظرية قابلة للاختبار.. فما الضمان بأن (حزب الله) سوف يتوقف عن النضال علماً بأن اجندته تقوم على اساس ان اسرائىل كيان غاصب غير شرعي؟ وتتحدث الصحافة الاسرائىلية من حين لآخر بأن اسرائىل قد تعمد في هذه الحالة الى اللجوء الى هجوم عسكري كامل على لبنان يستهدف مواقع القوات السورية في البقاع.. بما يقترب من اعلان حرب على سوريا. لكن عملاً أحمق كهذا قد يؤدي الى اشتعال سياسي شامل في العالم العربي ربما ينسف (عملية السلام) من اساسها. ولننظر في المسألة من الناحية الاخرى: لقد قالت دمشق (لا للتنازل) .. وموقف حازم كهذا لن يكون بلا تأثيرات سياسية في المسرح الاسرائىلي الداخلي.

تعليقات

تعليقات