هل تلتقي العراق وأمريكا عبر البوابة النفطية

بقلم: يوسف الشريف في آخر خطبه الدينية الجامعة التي اعتاد ان يستعرض خلالها أوضاع الانسانية في مختلف ربوع العالم, أكد البابا يوحنا بولس الثاني الأسبوع الماضي ان مأساة العراق حاضرة دوما في صلواته, وأنه يتضرع بالدعاء للتخفيف من قسوة محنة الحصار التي يكابدها شعبه وخاصة النساء والأطفال, وكانت أمريكا والكويت قد حثتا البابا على عدم ادراج العراق ضمن زياراته للأماكن المقدسة في المنطقة العربية, حتى لا تستثمرها الحكومة العراقية في الترويج للدوافع الانسانية التي أملت عليها المطالبة برفع العقوبات الدولية قبل الوفاء بتنفيذ كامل قرارات مجلس الأمن, لكن البابا أصر على الزيارة حتى فوجئ باعتذار بغداد عن استقباله بينما الحصار المفروض على العراق لايزال ساريا وأضراره المتفاقمة في تصاعد مضطرد. وعلى ما يبدو ان البابا أدرك مغزى الرسالة, وأنه شعر بتأنيب الضمير ازاء مأساة الشعب العراقي, في اطار نهجه الشجاع وغير المسبوق, عبر وثيقة الاعتذار وطلب الغفران عن بعض الأخطاء التاريخية التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية على مدى ألفي عام, وبينها التورط في دعم الحرب الصليبية ضد العرب والمسلمين للاستيلاء على بيت المقدس, في الوقت الذي مات الضمير الأمريكي المشحون بروح الكراهية والانتقام ضد العراق, رغم تداعي فئات وهيأت وشخصيات بارزة في المجتمع الأمريكي للمأساة العراقية بينهم 70 من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب يطالبون برفع الحصار وفتح أبواب الحوار المغلقة مع النظام العراقي وحل المشكلة سلميا, لكن من المقطوع به ان الادارة الأمريكية ماضية في عزمها على تمديد أجل الحصار, وتصعيب قبول العراق بالقرارات الدولية, حتى لو كان المقابل تأزيم الحياة المعيشية للشعب العراقي, وانهاكه صحيا وتجويعه غذائيا, حيث بلغت جملة وفياته منذ أغسطس 1990 حتى نهاية فبراير الماضي من مختلف الفئات العمرية مليون ونصف مليون مواطن, بينهم زهاء 70 ألف طفل لاتتجاوز أعمارهم خمس سنوات, غير المعوقين والمشوهين خلقيا. وهكذا على الرغم من خضوع العراق للتفتيش الدولي عن أسلحة الدمار الشامل على مدى تسع سنوات متصلة وشمل كل شبر ومبني مشتبه فيه, وثبوت تجسس المفتشين الدوليين لحساب أمريكا واسرائيل بما ينفي شروط اداء مهمتهم بحياد وشفافية, الا ان أمريكا ظلت تمارس نفوذها في اختيار هانس بليكس رئيسا جديدا لهيئة التفتيش الدولية خلفا لباتلر على النحو الذي يخدم مصالحها ويعزز من قدرتها على التحكم في التقارير الصادرة عنه, حول مدى التزام العراق بالتعاون معها, وبراءته من حيازة أسلحة الدمار الشامل, توطئة لتعليق العقوبات وفق قرار مجلس الأمن رقم 687 عام ,1991 وهي لعبة مفضوحة تستهدف اعادة صياغة القرار عبر إضافة شروط جديدة, تتوخي ضياع أربعة شهور من عمر الأزمة العراقية الطاحنة, قد تنجح أمريكا خلالها فيما فشلت فيه من قبل لاسقاط النظام العراقي! على ان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي اعترف بأن العقوبات المفروضة على العراق أداة قاسية قد تؤذي في بعض الأحيان (السكان المدنيين غير المستهدفين) أساسا, أشار في تصريحه المشبوه الى احتمال فرض عقوبات (ذكية) اضافية بينها اغلاق حسابات المسئولين العراقيين في المصارف الدولية, ورفض منحهم تأشيرات سفر الى جانب قيود أخرى, لكأنه يرفض اقراءة التقارير التي قدمها اثنان من كبار المسئولين في الأمم المتحدة وهما هانزفون سبونيك المسئول عن برنامج النفط مقابل الغذاء ويوثا بيرجاهارت رئيسة برنامج الغذاء العالمي للعراق, حيث قدما استقالتهما تباعا ووصفا العقوبات كونها عملية إبادة منظمة للشعب العراقي, بعدها بأيام أصدرت لجنة الصليب الأحمر الدولية في بغداد تقريرا يؤكد على تضاعف وفيات الأطفال العراقيين عنها عام 1990 بمعدل ست مرات خلال شهر فبراير الماضي, والأدهى والأمر مازعمه التقرير الذي سربته المخابرات المركزية (سي.أي.إي) وبثته وكالة رويتر للأنباء مؤخرا, حول قيام العراق باعادة بناء المنشآت العسكرية التي جرى تدميرها عبر القصف الصاروخي الأمريكي البريطاني عام ,1998 كمقدمة لتطوير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية واعادة برنامج انتاج الأسلحة النووية, ورغم ان كين باكون المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) نفى علمه بدليل يؤكد صحة هذه المعلومات, لكن تظل هذه الذريعة تحت الطلب في حالة الفشل في تركيع النظام العراقي أو اسقاطه, سواء عبر تمديد أجل الحصار الى مالا نهاية أو عبر المعارضة العملية التي يسودها الانقسام ويجري تدريبها الآن في مدرسة العمليات الخاصة بولاية فلوريدا تمهيدا لاطلاعها بدور عسكري في الخطة الأمريكية, والغريب في الأمر ان تنفرد واشنطن بالعراق رغم بقية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن, والأكثر غرابة ان تتراجع الصين وروسيا وفرنسا عن موقفهما المبدئي من ضرورة رفع الحظر المفروض على العراق, الى مجرد تعليق العقوبات وفق الشروط الأمريكية, واذا كان موقف الصين موصول برغبتها في الانضمام الى اتفاقية التجارة الدولية وتحييد أمريكا ازاء مطالبتها بضم جزيرة تايوان, وروسيا المتورطة في الشيشان وحاجتها الماسة للمعونات الاقتصادية الأمريكية, إلا ان الموقف الفرنسي اتسم بالانتهازية, خاصة وأن فرنسا ظلت على رأس قائمة الدول التي تربطها علاقات تجارية مع العراق, والمرشحة أكثر من غيرها للفوز بعقود مقاولات اعادة بناء ما خربته الحرب في العراق, علما بأن أكثر من ستة مليارات دولار مودعة في بنك فرنسا لحساب برنامج (النفط مقابل الغذاء) وهو نفس النهج الانتهازي ازاء تضحية رئيس وزراء فرنسا جوسبان بعلاقة بلاده التاريخية مع لبنان, عندما وصف مقاومة حزب الله للاحتلال الاسرائيلي بالارهاب لكأنه يتنكر ضمنيا لمقاومة الشعب الفرنسي للغزو النازي. لكن على الرغم من اطمئنان أمريكا الى ان أي من أعضاء مجلس الأمن ليس بوسعه تحدي ارادتها وقراراتها تجاه العراق, وكذلك الدول العربية التي باتت وكأنها مغلوبة على أمرها, بينما تعول أمريكا على الأنظمة العربية في كبت مشاعر شعوبها, وتعودها تباعا لمزيد من الضربات الأمريكية البريطانية اليومية للعراق, إلا ان ثمة عامل طرأ مؤخرا على الموقف الأمريكي ربما أفضى الى بصيص من الضوء في نهاية نفق الأزمة العراقية التي يكتنفها الظلام, وينطق بمخاوفها وقلقها الشديد لارتفاع أسعار النفط على النحو الذي يلحق أبلغ الأضرار بقطاعات الصناعة والزراعة والخدمات في الدول الغربية, الأمر الذي أدى الى نشاطها المحموم لاقناع الدول المصدرة للنفط برفع معدلات انتاجها, والتحرر من سقف الانتاج الذي حددته منظمة الأوبك, ومن هنا يجدر النظر بعين الاعتبار الى عدم ممانعة أمريكا في الموافقة على تلبية احتياجات العراق من قطع الغيار اللازمة لتشغيل مالديها من مصافي تكرير النفط بكفاءة, وغض الطرف عن معظم عمليات تهريب النفط العراقي التي بلغت حوالي مليوني برميل يوميا حسب مزاعم الادميرال وليم مور قائد الأسطول الأمريكي الخامس الذي أكد على ان الناقلات التي تستخدم في التهريب تتعمد المرور بالمياه الاقليمية الايرانية لتجنب الدوريات البحرية الأمريكية, علما بأن هذه الدوريات قامت في الثاني من فبراير الماضي بتفتيش الناقلة الروسية (فولجونفت 147) في مياه خليج عمان واتهمتها بتهريب نفط عراقي ثم أفرجت عن طاقمها وسمحت بتفريغ حمولتها في عمان اثر احتجاج الحكومة الروسية وتأكيدها بأن حمولتها ليست من النفط العراقي, في الوقت الذي اعترف عامر رشيد وزير النفط العراقي في حديثه لشبكة (سي.ان.ان) بأن بلاده تقوم احيانا بتهريب النفط وقال: (نعتقد ان العقوبات الدولية ستتآكل وتتفتت عبر علاقات العراق مع جيرانه ودول أخرى) . فاذا أضفنا الى هذه المستجدات التقرير الذي نشرته صحيفة (واشنطن بوست) مؤخرا حول تكالب رجال الأعمال الأمريكيين والبريطانيين على بغداد لعرض خدماتهم في اعادة بناء المنشآت النفطية العراقية وبينهم جون دويتش رئيس المخابرات الأمريكية السابق, وديك تشيني الذي لعب دورا بارزا في ضرب العراق بعد اجتياحه الكويت, وكلاهما وكلاء لشركات ضخمة متعددة الجنسيات, وتصريح نزار حمدون وكيل وزارة الخارجية العراقية ونقلته قناة أبوظبي الفضائية, من ان العراق مستعد للجلوس مع مجلس الأمن للوصول الى مخرج لكسر دائرة الأزمة. وأخيرا ما يتردد عن نقلة سياسية نوعية مرتقبة في العراق أثر انتخابات المؤتمر الوطني نهاية مارس الحالي, ربما تكرس دستورا جديدا والسماح بفسحة من حريات التعبير وقيام تعددية حزبية, فمن حقنا إذن التفاؤل بمستقبل أكثر توازنا وعدلا في علاقة أمريكا بالعراق الذي يضم أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية, خاصة وأن السياسة لاتعترف بصديق أو عدو دائم وانما تحددها المصالح وليس المبادئ في غالب الأحوال!

تعليقات

تعليقات