صناعة الإبتزاز وقضايا التشهير بقلم محمد الخولي

في السنوات الثلاثين السابقة, دخلت إلى قاموس الفكر والإنتاج في العالم عدة مصطلحات تصدر في أساسها عن متغيرات جذرية وشاملة في المفاهيم والأعراف التي كان العالم قد عهدها عبر سنوات الحقبة المعاصرة الذي أصطلح المؤرخون مجرد اصطلاح على أن يؤرخوا لها مبتدئين من عدد الأحداث الجسام والفارقة في تاريخ البشرية القريب. ومنها مثلا الثورة الفرنسية في عام 1789 والثورة الأمريكية في عام 1776 أو الثورة الصناعية التي بشرت بالآلة لكن سنوات ربع القرن الأخير التي عشناها جاءت كما ألمحنا بتغييرات جذرية بدورها في مفهوم الصناعة والإنتاج, ويكفى أن بدأ العالم يدرك أن الصناعات لم تعد هي ذلك النشاط المتعارف عليه بأنه يشمل مشاغل ومواقع انتاجية مزروعة بغابات المداخن وحافلة بآلات العمال ذوي البدلات الزرقاء, يخرجون زرافات وجموعا بأشكال وسلوكيات نمطية وقد علت وجوههم في معظمهم على الأقل غبرة الدخان وزيوت التشحيم وحبات العرق الكادح.. وهو ما أبدع تصويره مثلا الكوميديان العبقري شارلي شابلن في فيلمه الشهير بعنوان (العصر الحديث) . من أجل سلامة البيئة لقد تغيرت هذه الأمور والأوضاع, أو فلنقل تغير معظمها, وفي أمريكا على وجه الخصوص لم تعد كلمة صناعة لتصدق بادهة وتلقائيا على أنشطة معروفة سلفا مثل صناعة السيارات أو صناعة المراجل أو صناعة الثلاجات أو الطائرات أو طباخات الغاز أو الكهرباء في المنازل.. تلك يا صديقنا صناعات بات يحاربها دعاة البيئة بحكم ما أدركوه من خطورة ملوثاتها ومخالفتها على موارد الحياة الطبيعية وصحة الإنسان .. والقوم لذلك في أمريكا ودول الشمال بعامة يعمدون إلى تصدير أو تمرير هذه الانماط الخطرة من الصناعات إلى أقطار العالم الثالث التي تفرح إذ تنشأ فيها صروح للصناعات الكيماوية أو الأسمنتية وما في حكمها, وهي فرحة المشتاق بعد طول رأي وحرمان كيف لا وتلك صناعات تمتص فائض العمالة رصيد البطالة وهي تفتح بيوتا وتجري أرزاقا وليسكت حماة البيئة .. ولو إلى حين. صناعات جديدة و فريدة مع ذلك فالغرب يظل مشغولا ومشاركا حتى أخمص قدميه في النشاط الصناعي لكن .. أي صناعات وأي أنشطة؟ أنها صناعات القرن الحادي والعشرين التي تفنن الغرب بحصافة أحيانا وخبث أحيانا في اختيارها وتطويرها والحفاظ عليها.. وهي صناعات لا تضر البيئة ولا تلوث الهواء أو المياه ولا تحدث ضجيجا.. فيما تدر أرباحا طائلة, بل فلكية في معظم الأحيان.. في هذا الإطار شرع العالم يسمع عن الانماط المستجدة من صناعات الألفية الجديدة. صناعة المعلومات (انفورماتيك), صناعة الفضائيات (سايبر سبيس), صناعة الأموال (التمويل والنشاط المصرفي والاستثماري), صناعة الإدارة (وفي مقدمتها التدريب وترقية المهارات الإدارية قدرات تسيير البشر). صناعة الثقافة (في مجالات النشر التي تبدأ بالنشر المؤسسي في الدور العملاقة ولا تنتهي بالنشر الخاص المنزلي أو الفردي باستخدام الحواسيب الشخصية البيتية لاب توب). صناعة الحواسيب (من حيث المعدات بأجيالها متلاحقة التطور هاردوير وأيضا من حيث اساليبها المستخدمة التي يعرفها المصطلح العربي باسم البرمجيات سوفت وير). صناعة العلاقات العامة (وهي كما لا يخفى عليك مزدهرة في بلد مثل الولايات المتحدة وتتعاطى مع كل قضية وكل شأن ابتداء من تصنيع اتجاهات الرأي العام لزوم الاحصاءات والاستطلاعات.. وصناعة النجوم في مجالات شتى ومن بينها بداهة في مجال السياسة), صناعة الترفيه (وهي واحدة من الصناعات الثقيلة أن جازت هذه التسمية ولها محطات ومشاغل شتى .. ما بين محطة هوليوود للأفلام ومحطة لاس فيجاس للمراهنات والكازينوهات ... الخ). في غمار هذا كله كان لابد لفعاليات اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وهو اللوبي المعروف بولائه للحركة الصهيونية من جهة ودعمه الطائل السخاء لإسرائيل من جهة أخرى, كان لابد لأركان هذا اللوبي البالغ التأثير في مجريات الشأن الأمريكي العام أن يدخل مضمار الصناعات التي أشرنا إليها, ومن منظورها المستجد بما يليق بالألفية الثالثة بعد الميلاد. صناعة المحرقة هكذا ولدت الصناعة التي مازال يهود أمريكا عاكفين على تطويرها وشحذ مهاراتها وتعميق تأثيرها في أوساط المجتمع الأمريكي وهي: (صناعة الهولولكوست) هذا التعبير استخدمه الكاتب الأمريكي جاي تولسون في دراسة نشرها مؤخرا في مجلة يو أس نيوز (منتصف فبراير الماضي) وفسر هذا الاستخدام قائلا: نقصد بذلك كل ما يتعلق بحكاية الهولوكوست محرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية من أنشطة وفعاليات ابتداء من اقامة المتاحف والنصب التذكارية مرورا بمشاريع المخرج اليهودي (اليهودي) سبيلبرج الفيلمية وليس انتهاء ببرامج دراسات الهولوكوست المطروحة على من يريد استخدامها. ورغم أن يهود أمريكا قد تفننوا في اتقان صناعة الهولوكوست المذكورة وأول منتوجاتها استمرار الدق على وتر اضطهاد اليهود وممارسة شتى ضروب الابتزاز تحت طائلة التهويد بتهمة العداء للسامية .. فالذي حدث أن خاب أملهم إلى حد بعيد .. كانوا يتصورن أنهم قد اجهزوا على الذهنية الأمريكية بمعنى أنهم نجحوا في تمرير حكاية الهولوكوست إلى عقلية المواطن الأمريكي الذي يعرف أنه يدفع الضرائب ومن ثم يذهب جانب من حصيلتها إلى إسرائيل.. لشد ما كان احباطهم حين أجروا استطلاعا للرأي مع أواخر القرن الماضي (أجرته مؤسسة روبير المتخصصة) فإذا بنسبة تكاد تقارب ربع المواطنين الأمريكيين يقول أفرادها أنهم يتصورون أن الهولوكوست هذا أمر لم يحدث على الإطلاق. هنالك انتفضت بالغضب والقلق أركان الطوائف اليهودية الصهيونية في أمريكا وربما في العالم كله وفي إسرائيل ذاتها على التحقيق وبدأوا في تقسيم العالم الشعوب غير اليهودي الجوييم كما تسميهم أدبيات الصهيونية إلى فئات وتصنيفات محددة: مشككو المحرقة الهولوكوست, منكرو المحرقة الهولوكوست, غير المباليين بالمسألة في الأساس, وفي هذا الإطار نشات تهمة يراها أركان الصهيونية من أشنع ما يكون وهي: إنكار المحرقة قضية في إنجلترا ولقد سبق أن عرضنا دراسات سلف نشرها في هذه الزاوية لعدة بحوث أكاديمية وعلمية مازال اصحابها في فرنسا مثلا يلقون عنتا أي عنت, مما يصل الي حدود الارهاب بكل معانيه الفكرية والبدنية.. وها نحن نشير فيما يلي من سطور الى قضية أخرى, في انجلترا هذه المرة تنظرها حاليا المحاكم البريطانية وقد أحدثت دويا مازالت أصداؤه مسموعة في جنبات المؤسسة الفكرية الأكاديمية الاعلامية في بلاد الانجليز. عنوان ملف هذه القضية هو: قضية ايرفنج ضد لبستاد فأما اي ر فنج فهو الكاتب والصحفي والمؤرخ ديفيد ايرفنج (61 سنة) وقد ذاعت شهرته في انجلترا وفي أوروبا بفضل عدد من الكتب التي نشرها مؤرخا لحقبة الحرب العالمية الثانية وأما لبستاد فهي البروفيسور ديبور البستاد أستاذة التاريخ في جامعة ايموري التي نشرت مؤخرا عبد دار بنجوين الشهيرة كتابا بعنوان: أفكار الهولوكوست, هذه الافتئات المتزايدة علي الحقيقة والذاكرة. واضح طبعا من عنوان الكتاب انه يستهدف تشديد النكير بسلاح التهجم والتنديد على منكري المحرقة التي يقول اليهود أنهم تعرضوا لها خلال حقبة النازي في أوروبا وراح ضحيتها كما يقولون حتى لا نقول كما يزعمون 6 ملايين يهودي بات يهود اليوم يطالبون بالثأر لهم شريطة أن يترجم هذا الثأر, ولا غرو, الي تعويضات من الشعب الألماني ومدفوعات من البنوك السويسرية, واعتذاريات يرددها مسئولو أوروبا الزمنيون والروحيون وعلى رأسهم بابا الفاتيكان. وفي تراثنا العربي المعاصر كتاب أصدره عام 1924 الشيخ مصطفي صبري مفتي تركيا العثمانية بعد لجوئه الى القاهرة وأراد بالكتاب أن يرد على مقولات الدكتور طه حسين ومدرسة الشك الفلسفي التي كان يتبعها في بحوثه عن تاريخ العرب الجاهليين. وكتاب مصطفى صبري جاء تحت العنوان التالي: النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة. واذا كان الشيخ صبري قد أراد الرد على هؤلاء المنكرين انتصارا لطروحات رآها راسخة واضحة في صحيح الاسلام. فقد اختار الصهاينة ومنهم كما رأيت أكادميين كبار لأن سبيل النكير على منكري المحرقة التي لم يقم حتى الآن دلائل موثقة ومستندات يمكن الركون اليها علميا تؤكد وقوعها أو تؤكده بهذا الحجم أو بتلك البشاعة التي يصورها يهود اليوم وحتى على فرض وقوعها فان المنطق السليم يقول ان الملايين الستة من ضحاياها كانوا يضمون بين صفوفهم المهيضة حشودا ينتمون الى ديانات وعقائد وقوميات شتى دون أن يقتصر الأمر, بداهة, على اليهود. والحاصل أن الأستاذة ليستاد شتمت الكاتب ايرفنج دافعة أياه بأنه من طغمة منكري الهولوكوست وأنه يعمد الي تشويه التاريخ و يفصل روايته على قد أطماعه وتحيزاته وأهوائه. جاءت هذه الاتهامات في كتابها الذي نشرته سلسلة بنجوين وكان أن رفع ايرفنج قضية ضدها قذف وتشهير على نحو ما رواه جاي تولسون في مجلة يواسن نيوز الأمريكية. شتائم محامي الدفاع أكثر من هذا.. تابعت الموند الفرنسية وقائع سير المحاكمة فاذا بها تنقل عن محامي الدفاع ما هو أسوأ من القذف والتشهير كيف لا وقد خاطب المحامي المحكمة العليا في لندن في عبارات تقول: ياحضرات المستشارين إن خصمنا في هذه القضية (السيد ايرفنج) قد أمعن في عداء السامية (بغض اليهود) وكأنه كلب مسعور (شوف البلاغة!) وقد باع سمعته في سوق العمر والبغاء (النكري) اذ عمد الى تزييف التاريخ من أجل تبرئة ساحة هتلر من (جريمة) الهولوكوست. * من جانبه دافع صاحب الدعوى ديفيد ايرفنج عن نفسه دون أن يوكل عنه محاميا وعرض قضيته أمام المحكمة على مدار ساعات أربع فقال: - أ نا ياحضرات القضاة ضحية مجني عليها لحملة كراهية دولية شنتها ضدي جماعات اليهود في العالم. وقد جاء كتاب البروفيسورة لبستاد بمثابة ذروة هذه المؤامرة التي قصدوا بها تدمير سمعتي ككاتب ومؤرخ أصدر دراسات لها أهميتها واحترامها في علم التاريخ ونالت تقدير الصفوة من كبار المؤرخين. * ومضي الأستاذ ايرفنج في مرافعته التي عرضت لها الموند فقال: - ولست أنزه نفسي عن الخطأ فربما وقعت في أغلاط وقتها كان ببراءة وحسن نية. وأنا أسلّم بأن هتلر بوصفه كان في اطار نظامه رئيس الدولة والحكومة يتحمل المسئولية عن حوادث الهولوكوست ولكن مناط اختلافي مع كثير من مؤرخي تلك الحقبة هو أنني أرفض أو أنكر وجود أي قرائن دامغة أو أدلة مدعمة بوثائق ومستندات تؤكد أن هتلر بدأ المحرقة أو أصدر توجيهاته بارتكاب تلك المجازر الجماعية التي انطوت عليها. * هذا وكان ايرفنج قد أعرب من قبل في محاضرات عديدة ألقاها, عن تشككه فيما روجت له أوساط اليهود حول الهولوكوست وجرائم إبادة البشر أو القتل الجماعي (حينوسايد) التي ارتكبت في اطارها سواء من حيث الحجم أو النطاق أو الأرقام المهولة فضلا عن عدد ضحاياها من اليهود. نحن ضد الاضطهاد ولسنا بحاجة من منظورنا العربي الى تأكيد أننا نصدر عن عقائد دينية وعن ثقافة معرفية ترفض أي اضطهاد للبشر, ناهيك عن أي ازهاق لأرواح البشر تحت أي زعم وبذريعة أي شعار ولكن يصدق على يهود اليوم, في اسرائيل بالذات, الكلمة البليغة المنسوبة الى تراث السيد المسيح عليه السلام: أنت تنقد القشة التي في عين أخيك وتنسي الخشبة التي في عينك وهاهم أركان المشروع الصهيوني في فلسطين يشهرون في وجه مخالفيهم تهمة العداء للسامية في حين أنها ألصق ما تكون بهم بالدرجة الأولى بحكم ما يمارسونه ضد عرب فلسطين وعرب سوريا وهم ساميون بداهة من بغض وسلب واحتلال وعسف وتشويه للهوية و مصادرة على المستقبل. الهولوكوست ودعم اسرائيل * في العام الماضي أصدر البروفيسور بيتر نوفيك أستاذ التاريخ المرموق بجامعة شيكاغو كتابا غاية في الأهمية عن الهولوكوست في الحياة الأمريكية ندد فيه من استغلال زعامات اليهود في أمريكا بمقولة الهولوكوست وقال بالحرف : إنهم يستغلونها لتحقيق مآرب ومخططات شتى خاصة بهم مابين تعزيز الهوية العرقية (ليهود أمريكا) الى دعم التأييد الصارخ لاسرائيل. هذا ما قاله المؤرخ الأمريكي وهو كما ترى بيت القصيد.. أما قضية التشهير والقذف التي نظرتها المحكمة العليا في انجلترا فموعد نطق الحكم فيها هو ابريل المقبل.. ومهما يكن من أمر فمازال هناك دارسون وباحثون مؤرخون وأكاديميون يقول قائلهم في إصرار: - نحن نتعاطف مع أي ضحايا للظلم والاضطهاد يهودا كانوا أو غير يهود.. لكن الحقيقة أولى بالتعاطف والاهتمام. ملحوظة مهمة: الجزء التالي يتم وضعه داخل إطار في قلب الموضوع: ومهما يكن من أمر فمازال هناك دارسون وباحثون مؤرخون وأكاديميون يقول قائلهم في إصرار: نحن نتعاطف مع أي ضحايا للظلم والاضطهاد يهودا كانوا أو غير يهود.. لكن الحقيقة أولى بالتعاطف والاهتمام.

تعليقات

تعليقات