تصريحات الرئيس الامريكي كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت عقب قمتي جنيف وواشنطن مع الرئيسين حافظ الاسد وحسني مبارك, تشير الى ان المرحلة المقبلة في مسار عملية التسوية والصراع العربي الصهيوني عموما, ستكون مرحلة صعبة ومقلقة, وهي تحتاج الى جهود عربية جادة وقوية وموحدة لانقاذ الحاضر والمستقبل العربي. فقد بات واضحا ان موقف الرئيس الامريكي في قمة جنيف لم يكن موقفا عارضا او مجرد محاولة لممارسة الضغط وابتزاز الموقف السوري لكي (نساعد ايهود باراك) على حد تعبير كلينتون نفسه, وانما هو موقف امريكي استراتيجي ما زال يفضل التبني الكامل لمواقف الدولة الصهيونية واستراتيجيتها في رسم الخرائط المستقبلية للوطن العربي. فلو كان كلينتون يفكر مجرد تفكير بأن يكون شريكا نزيها او وسيطا عادلا او حتى ناقل رسائل منصفا بين الطرفين, لتعامل مع قمة جنيف ومواقف سوريا وحقوق ومصالح العرب باحترام اكبر, ولسعى الى المساهمة في البحث عن حلول اكثر عدلا واتساقا مع الشرعية الدولية للصراع العربي ـ الصهيوني. لكن الرئيس الامريكي بدلا من ذلك اصر على مجافاة منطق الحق والعدل واعلن ان (الكرة باتت في ملعب الرئيس السوري) ثم اضافت مادلين أولبرايت ان الولايات المتحدة ستركز على المسار الفلسطيني (...) الى ان (نجد اللحظة المناسبة لكي نعكف مجددا على المسار الآخر) !! ان هذه التعابير تعني سياسيا ان واشنطن تريد تنازلات من سوريا وهي تعلم ان دمشق لا تملك إلا حقوقها الوطنية وارضها ومصالحها ومكانتها الاقليمية التي لا تستطيع على الاطلاق التفريط في أي منها, كما تعلم ان المطالب الاسرائيلية الامنية والجغرافية التي تسعى واشنطن لتسويقها تتضمن انتقاصا من السيادة السورية ومحاولة لفرض هيمنة صهيونية واضحة, وهي تستهدف في النهاية دفع كل دول بلاد الشام بداية وكل الوطن العربي تاليا للتحول الى مجرد افلاك تدور حول المركز اليهودي. ولأن سوريا ومن ورائها كل العرب يعلمون ان مثل هذه التسوية لن تصنع سلاما ولن تؤدي إلا الى اضافة المزيد من التناقضات (وربما الصراعات) الى الساحة العربية لحساب السيطرة الاسرائيلية فلا يمكنهم قبولها على الاطلاق رغم ادراك حقيقة الخلل الكبير في توازن القوى بين العرب وبين التحالف الامريكي ـ الصهيوني. واذا اصرت واشنطن على موقفها الراهن فإنها تعرض منطقة (الشرق الاوسط) كلها لمزيد من التحلل والاخطار, وهي لن تستطيع اللعب على التناقضات القطرية العربية لأن الشعب العربي الفلسطيني يتنازل بدوره عن حقوقه الاساسية المشروعة وغير القابلة للتصرف.. ما يعني في النهاية ان امريكا لا تترك للعرب خيارا الا العيش بين دوامات العنف والذل او الاستسلام, وهذا ما لا يرضاه العرب, وهم قادرون على مواجهته باتخاذ موقف عربي موحد يرفض منطق القهر والاملاء بالقوة او بالضغوط غير المبررة وغير المشروعة, وعندها فقط يمكن ان تتغير المواقف الاسرائيلية الاكثر احتياجا للتسوية السياسية من العرب, وبالتالي يتغير الموقف الامريكي.