جوهر الحداثة يتأسس على الفرد وحقوقه الطبيعية!

بقلم: عمران سلمان من الواضح ان مفهوم الفرد او الفردية المؤسس على قاعدة الحرية والحق الطبيعي لم تكن معروفة على نطاق واسع قبل القرن الثامن عشر وتكرست تحديدا مع الثورتين الفرنسية والامريكية. ونجد الجذور الاولى عند الفيلسوف الانجليزي جون لوك (1632 ـ 1704), الذي يذهب الى ان للانسان حقوقا مطلقة لا يخلقها المجتمع, وان حال الطبيعة تقوم في الحرية, وانه ليس هناك سيادة طبيعية لأحد على آخر. كما نجدها عند منظر الثورة الفرنسية جان جاك روسو (1712 ـ 1778) وخصوصا كتابه (العقد الاجتماعي) الذي صدر عام 1763, وكذلك معاصراه الفرنسيان مونتسكيو (1689 ـ 1755) وفولتير (1694 ـ 1778). الواقع ان الاهتمام بالفرد جاء في اطار تصاعد العملية السياسية, في اوروبا وقتها مع نمو البرجوازية ونشوء البرلمانات والمجالس التشريعية. لكنه منذ ذلك القرن والذي يسمى احيانا قرن التنوير اخذ مفهوم الفرد يتجذر في الفكر والممارسة الاوروبيين, ثم غدا قاعدة اساسية للفلسفات والنظم السياسية الحديثة. انه احد العناصر الجوهرية في فكر الحداثة ولم يكن غريبا والحالة هذه ان المواثيق والمبادىء الدولية التي صيغت بعد الحرب العالمية الثانية (اتفاقيتا حقوق الانسان والحقوق المدنية والسياسية) قد تمحورت حول فكرة الفرد وحريته وحقه الطبيعي في الحياة والوجود المستقل. ان مجتمعات ما قبل الحداثة عرفت الفرد بطبيعة الحال, لكنها لم تعترف باستقلالية وجوده, ولم تهتم باعلاء قيمته, قياسا بالمجتمعات الحديثة وبالطبع لم تعترف له بأية حقوق قائمة بذاتها خلا تلك التي يمنحها اياه انتسابه الى هذه الدولة الامبراطورية او تلك. لقد عومل الفرد بوصفه جزءا من الكل او الجماعة او الطائفة وتعومل معه على هذا الاساس فحقوقه او حريته لا وجود لها بدون حق او حرية المجموع وبدلا من الفرد المواطن كان يستخدم مفهوم الرعية او التابع. وفي ذلك السياق لم يكن ثمة معنى لحرية الفرد في التفكير او الاعتقاد او التعبير عن ذاته, بعيدا عن الآخرين فمعنى الفرد يتحدد في نهاية المطاف بالنظر الى ارتباطه بالغير, فكرا ودينا ومكانا. ولا يشار اليه بوصفه انسانا مكتمل الحقوق والاهلية وانما مسيحيا او مسلما او يهوديا او بوذيا... الخ. ومن الطبيعي اذن ان لا يكون هناك وجود للفرد نفسه, وانما لما ينتسب اليه ولما يعنيه او يرمز له. أما الوجود المجرد للانسان والقائم بذاته, فإن الاعتراف به او ادراكه كان امرا متعذرا. هذا المفهوم كما اسلفنا مفهوم حديث وارتبط ببدايات النهضة الحديثة وكان سببا فيها. ان تحرير الانسان من جميع العوائق والقيود الفكرية والدينية السابقة على وجوده الاجتماعي ورده الى سوية بشرية اولية وحرة, والاعتراف له من ثم بحرية الاختيار, هو الذي مكن الانسان لأول مرة من ان يشق طريقه بنفسه دون الاعتماد على اي قوى خارجية وان يكون مسئولا عن خياراته. ان وضع الانسان وجها لوجه امام قوى الطبيعة أعزل إلا من قوته الذاتية وارادته وتطلعاته, لم يكن عملا دائما يخلو من المخاطر او السلبيات, الواقع ان حالات الاغتراب والنكوص والاحباط والاكتئاب ظلت بمثابة احتمالات واردة. لكن في المقابل فإن ذلك كان من زاوية اخرى حافزا ومحركا للانسان كي يخطو اولى خطواته نحو مواجهة الطبيعة ومحاولة السيطرة عليها. ومن الواضح اليوم انه قد نجح في هذا الى حد بعيد. وعلى نحو لم يتسن لاسلافه طوال آلاف السنين التي خلت. ان امتلاك الانسان لحريته الفردية وشعوره الطبيعي بالأنا, وحقه في تحديد مصيره, كان حجر الزاوية في البناء السياسي والقانوني الحديث, فالديمقراطية تدين بالشيء الكثير لهذه الفردية. وقبل ذلك لم يكن ممكنا تصور نشوء نظام يتساوى فيه جميع الناس في الحقوق الطبيعية والاساسية بصرف النظر عن الاعتبارات الاخرى (دينية أو ايديولوجية او عرقية.. الخ). لم يكن ممكنا تصور وجود مثل هذا النظام في الوقت الذي لم يكن الفرد يتمتع بالحق في ان يختار الطريقة التي يود العيش بها, وان يكون صوته مساويا لأصوات الآخرين في تقرير الشئون العامة. ان النظام الديمقراطي ينطلق اساسا من فكرة الناس متساوون امام القانون بموجب العقد الاجتماعي الموقع بينهم, وبما يكفل حقوقا متكافئة في المجالات الطبيعية التي يطالها هذاالعقد, مثل المواطنة والحريات الخاصة والعامة وسائر الحقوق المدنية والسياسية. ولا يمكن تحقيق فكرة المساواة ابتداء بدون وجود افراد مستقلين وأحرار يملكون الحق في الاختيار والممارسة الحياتية في شتى جوانبها. ان العبيد او الافراد غير مكتملي الاهلية من الناحية القانونية والاجتماعية والسياسية, لا يستطيعون ان يمارسوا حقوقهم الطبيعية بصورة سليمة. ولا يستطيعون المشاركة في تقرير مصائرهم ومن ثم يتعذر عليهم ان يكونوا مساوين لغيرهم بصورة فعلية. ان النظام الديمقراطي يجعل الناس شركاء في الحقوق والواجبات فالفرد لا يصوت او ينتخب او يترشح فحسب لشغل المناصب التشريعية او التنفيذية لكنه ايضا يساهم بنصيبه في حفظ هذا النظام وفي دعمه ماديا وسياسيا من خلال دفعه للضرائب وانتظامه في الاطر والتنظيمات المجتمعية المختلفة. والاهم ان هذا النظام يتيح اوسع مجال لممارسة الحرية الاجتماعية التي هي الميدان الاساسي لتبلور شخصية الفرد وتطورها. ان كون الانسان حرا في اختيار دينه او فكره او عاداته او السلوك الذي يريد الظهور به يجسد ويكافىء الحق في الحياة. ولذلك فإن نزع هذه الحرية من الانسان يعادل مصادرة حياته. ان الفردية تتأسس على قاعدة اطلاق الفرد من جميع القيود التي تكبل حريته وحركته, واتاحة اوسع حرية ممكنة له كي يبلور فرديته ويمارس فعله الانساني والاجتماعي. وبهذا المعنى لا يعود المجتمع سوى مجموع افراده المتساوين والمكتملي الاهلية. بقي ان نقول ان النظم الشمولية حاربت على مر التاريخ الفردية, ووجدت فيها نوعا من التحرر والاستقلالية (الخطيرة) وغير المرغوب فيها. لماذا؟ لانها لا تطيق ان ترى افرادا يمارسون حريتهم بصورة اصيلة وطبيعية. بل هي لا تعيش ولا تستقيم الا في اطار سلب الفرد حريته وتهميش ذاته وتأمين تبعيته لشخص او هيئة اخرى. ان الفرد الحر ليس مجبرا على ان يسير خلف هذا الحزب او تلك المؤسسة وهو ليس مجبرا على الانتماء او الانضواء تحت اي لافتة من اللافتات التي ترفعها النظم الشمولية. (في هذه النظم يتحدد موقع الانسان ومصيره بالانتماء الى هذه الجهة او تلك). ولما كانت تلك النظم تقوم في الاساس على قهر الانسان وسلبه حرية الاختيار وارغامه على الانتظام في اطار المجموع والذوبان فيه, فقد كان من الطبيعي ان تسعى الى محاربة مفهوم الفرد واستبداله بمفاهيم اخرى تتناسب مع وضعيته الجديدة. ان الفرد هنا لا يعود اكثر من جزء او رقم, لا تتأثر الجماعة, بغيابه او حضوره, ولا تهتم بسعادته او شقائه فالمهم هو سعادة او شقاء المجموعة. وبالطبع في مثل هذه الحالة تنتفي كل امكانية للنمو الطبيعي للفرد, ومن ثم يصاب المجتمع بأكمله بالضمور والتخلف. اما الحديث عن الحداثة والتقدم فهو يصبح بدون معنى بدون الحقوق الفردية وخلق الشخصية المستقلة للفرد.

تعليقات

تعليقات