باكستان والتحيز الامريكي

بقلم ، احمد عمرابي تعاملت الحكومة الباكستانية مع الرئيس الامريكي الزائر بيل كلينتون بأعلى درجات الأريحية والسخاء وسعة الافق.. لكنه اساء الى التقاليد الدولية للضيافة. ورغم ان مدى الزيارة الرسمية للرئيس الامريكي الى باكستان هذا الاسبوع لم يستغرق الا بضع ساعات, الا ان رجال السلطة الباكستانية سمحوا له بمخاطبة جماهير الشعب الباكستاني مباشرة من التلفزيون والراديو عبر بث حي. وهنا بلغت الاساءة الامريكية الى باكستان, شعبا وحكومة, اقصى درجاتها. كان خطابا من اوله لآخره اما تدخلا فاضحا في الشئون الداخلية لدولة ذات سيادة, واما استخفافا بأهدافها وطموحاتها القومية التي تحظى باجماع وطني شامل. وربما يكون القضاء على نظام ديمقراطي عن طريق انقلاب عسكري ـ كما جرى فعلا في باكستان في اكتوبر الماضي حين اعتلى الجنرال برويز مشرف السلطة ـ شيئا حسنا او سيئا. لكن هذا يقرره الشعب الباكستاني.. لا قوة خارجية, وحتى لو تغافينا عن مبدأ عدم جواز تدخل دولة في شئون داخلية لدولة اخرى (كما ينص على ذلك ميثاق الامم المتحدة) فإن الولايات المتحدة اخر من يحق له الاحتجاج على تولي جنرال من الجيش امر السلطة. ذلك ان اول انقلاب عسكري في التاريخ السياسي المعاصر لباكستان, انقلاب الجنرال ايوب خان عند اواخر خمسينيات القرن الماضي كان تدبيرا امريكيا من تأليف واخراج وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. وكان هذا التدبير من وحي استراتيجية امريكية صرفة في عهد الحرب الباردة. فقد كان الهدف هو استقطاب باكستان داخل (حلف بغداد) (الذي اطلق عليه لاحقا (الحلف المركزي) ) في اطار سلسلة الاحلاف العالمية الامريكية لاحتواء المعسكر السوفييتي. ورغم انه ليس واضحا تماما ما اذا كانت واشنطن متورطة في تدبير انقلاب الجنرال ضياء الحق في السبعينيات, الا ان الثابت هو ان سلطة ضياء الحق الاستبدادية ظلت تحظى بدعم امريكي شامل حتى اخر لحظة. ومن العجيب ان الرئيس كلينتون اقر في خطابه بفساد النظام الديمقراطي (رغم انه لم يستخدم لفظ فساد بالتحديد) السابق على انقلاب الجنرال مشرف. فقد قال: (اننا نشارككم الاحباط في عدم قيام الحكومات الديمقراطية السابقة بتحقيق الكثير للشعب في باكستان) ادلى بهذه الشهادة باستحياء وتحفظ كي يتحاشى الاعتراف بأن العامل الاساسي لفشل الحكومات الديمقراطية في باكستان هو افلاس الاقتصاد الوطني الناتج عبء الديون الامريكية واستنزافها المستمر للدخل القومي الباكستاني. على ان الاعجب في خطاب الرئىس كلينتون الى الشعب الباكستاني هو الرؤية الامريكية لقضية كشمير. فقد بدا انه وصل الى اسلام اباد وهو يتبنى تماما موقف الهند. ومن يعرف مكانة قضية كشمير لدى قطاعات الشعب الباكستاني جميعا باعتبارها القضية القومية الاولى يدرك الى اي مدى اساء الرئىس الامريكي الى مشاعر هذا الشعب. في هذا السياق سخر كلينتون من كفاح شعب كشمير قائلا: (لا يجب مكافأة اناس يجاهدون عبثا لاعادة ترسيم الحدود بالدم) . وعلى هذا الاساس فإن الرئىس الامريكي يتجاهل تماما ان هناك قرارات صادرة عن الامم المتحدة تدعو الى قيام استفتاء عام لشعب كشمير انطلاقا من حقه في تقرير المصير. هذا ما تقول به رسميا الشرعية الدولية.. تلك الشرعية التي تتمسك بها الولايات المتحدة وكأنها تنزيل مقدس عندما يتعلق الامر باستمرار تجويع شعب العراق.. وتسقطها وتدوس عليها عندما يتعلق الامر بتحرر شعب مسلم في اطار مبدأ حق تقرير المصير. ان امريكا في اطار النزاع الهندي الباكستاني متحيزة لطرف ضد الاخر. ولا يتعلق الامر بالديمقراطية في باكستان. فالتحيز الامريكي ضد الطرف الباكستاني سابق لمجيء الجنرال مشرف.

تعليقات

تعليقات