العلاقات الايرانية الامريكية بين حذر ايراني وتخوف خليجي ، من يضبط عدساته للنظرة الادق

بقلم: د. محمد الرميحي لم يكن الاعتذار الصادر من وزيرة الخارجية الامريكية الموجه الى ايران قد صدر اعتباطا. ويبدو ان الولايات المتحدة قد بدأت مسيرة التمهيد للادارة الجديدة المتوقعة في العام المقبل بتصفية بعض الملفات العالقة امامها, ومنها الملف الليبي الذي تحرك باتجاه الوفاق النسبي, ومنها ملف السلام في الشرق الاوسط الذي تبذل الولايات المتحدة جهدا لافتا فيه, ومنها كذلك العلاقات الامريكية مع ايران التي كانت الولايات المتحدة تتطلع لوفاق معها منذ ثلاث سنوات على الاقل, اي منذ قدوم السيد محمد خاتمي بأفكاره الجديدة الى سدة السلطة الايرانية, وكانت تنتظر المناسبة وقد جاءت بعد حصول الاصلاحيين على اغلبية البرلمان الايراني المنتخب. من يعرف تاريخ العلاقات الايرانية مع القوى الغربية الكبرى ـ وهو تاريخ متذبذب في معظم القرن العشرين ـ يدرك ما قاسته ايران ويتسامح مع الغضب الشعبي تجاه هذه القوى ويتفهمه, فقد قسمت ايران من اجل مصالح هذه القوى ابان الفترة بين الحربين العالميتين بين مصالح مختلفة وشرع احتلال ايران بين السوفييت وبريطانيا, وتخلصت هذه القوى من قادة وحكام ايرانيين من اجل تنفيذ مصالحها, كما فعلت مع والد محمد رضا شاه ابان الحرب العالمية الثانية, وتسامحت مع الوجود الروسي(السوفييتي وقتها) في شمال ايران لاسباب استراتيجية تخص المصالح الغربية لا الايرانية. وقد تراكم ـ مع السنين ـ شعور ايراني شعبي واسع بأن موارد ايران الاقتصادية وثرواتها الحيوية وجهت في معظمها لاطعام نخبة صغيرة متحالفة مع القوى الكبرى, مما عرض الشعب الايراني لمجاعات وفقر وتخلف. اما قصة ايران مع الولايات المتحدة فهي تتراوح بين وفاق وصراع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, فقد خضعت ايران لقانون الاعارة والتأجير (قانون روزفلت) والذي شمل مساعدات عسكرية واقتصادية مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية, تطورت بعدها العلاقة الامريكية الايرانية لتصبح احد مكونات تاريخ ايران السياسي الحديث, وكانت هناك اكثر من علامة بارزة في هذا التاريخ اشهرها التدخل الامريكي لعودة الشاه بعد هربه الى روما امام تيار قومي ايراني قاده محمد مصدق في اوائل الخمسينيات وادى الى اول تأميم لمنشآت نفطية في الشرق الاوسط. منذ ذلك التاريخ تعزز التأثير الامريكي في سياسات ايران الداخلية والخارجية, وتدخلت المصالح النفطية الامريكية, بعد ان كانت بريطانية للسيطرة على النفط الايراني وتجاوز ذلك لمؤسسات امنية وسياسية مما خلق شعورا عدائيا بالغ الاثر في صفوف الايرانيين باختلاف توجهاتهم ادى في بداية الثورة الاسلامية الى احتجاز رهائن امريكيين في سفارة الولايات المتحدة في طهران لفترة طويلة, وقطع العلاقات لمدة تزيد حتى الآن على احدى وعشرين سنة. وعندما تتحدث الى مواطن ايراني اليوم ستجد نفسك امام موقف لا يقبل النقاش من وجهة نظره, بشأن الضرر الذي سببته الولايات المتحدة بسياساتها في ايران, وتحميل كل اخطاء الحكم الملكي الايراني السابق على عاتق السياسات الامريكية التي ساندته. لذا فإن التغير الطفيف من جهة القائمين على الامر في ايران باتجاه الولايات المتحدة يقابله تطور اكبر من الاخيرة بالاعتذار العلني الذي صرحت به وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت الاسبوع الماضي عن الوقوف ضد حركة مصدق سنة 1953, وكذلك عن مساعدة العراق في حربه ضد ايران في الثمانينيات. كما خطت الولايات المتحدة خطوات عملية بدأت بفتح الباب لاستيراد بعض البضائع الايرانية لسوق الولايات المتحدة, والدعوة المبطنة للافراج عن مبالغ ايرانية مجمدة منذ اندلاع الثورة في البنوك الامريكية تضعها بعض التقارير في حدود العشرين بليون دولار, وهي مبالغ ضخمة يحتاج اليها الاقتصاد الايراني اليوم بشدة لدعم سياسات الاصلاح القائمة كما فتحت واشنطن المجال لاستيراد ايران لبعض السلع المهمة كالقمح الامريكي الذي تحتاج اليه ايران واللافت ان اولبرايت تعترف بإسلامية الدولة الايرانية وبخصوصيتها وتفتح بابا جديدا للتعاون معها. الخطوة الامريكية كبيرة فسرتها بعض المصادر بأنها تغيير في اتجاه سياسة واشنطن, وبداية جديدة واعتذار عما سبق من سياسات لم تقتصر على تصريحات وزيرة الخارجية, بل تعدت ذلك الى ملاحظات نقلت عن الرئيس الامريكي بيل كلينتون الذي لوح بغصن زيتون تجاه ايران فقال قبل ايام من احتفال ايران بعيد الربيع انها (واحدة من افضل الاماكن في التاريخ البشري) ! على غموض ذلك التوصيف, معقبا بعد ذلك بمباركة بالعيد للامريكيين من اصل ايراني وللايرانيين عامة معربا عن امله في ان (تحمل السنة الجديدة بداية علاقات افضل بين الولايات المتحدة وايران). مستقبل تطور العلاقة باتجاه وفاق ايراني امريكي سوف يعتمد على ردة فعل الايرانيين وقدرتهم على حسم الجدل الداخلي العميق تجاه العلاقة بالولايات المتحدة, وتجاوز المزايدات الداخلية باتجاه الانفتاح على العالم. وقد ردت الادارة الايرانية بترحيب حذر بتصريحات وزيرة الخارجية الامريكية, ولكنها فسرت بأنها مجاملة, لأن ايران تشترط عددا من المطالب, لإعادة العلاقات من بينها رفع الحظر على الصادرات الايرانية النفطية وعدم اتهامها بالارهاب. ولقد علقت بعض الكتابات الصحافية في الخليج على هذا التقارب الايراني الامريكي المقترح بروح من التخوف على اساس ان هذا التقارب قد يؤذي المصالح العربية الخليجية بالذات. وتجاوزت هذه التعليقات واقع الامر القائل ان انفتاح ايران على الولايات المتحدة قد مهد له انفتاح ايراني خليجي واسع شهدته الزيارات عالية المستوى بين الجانبين في السنة الاخيرة, كما ان هذا التقارب قد يساعد على ترطيب الاجواء وبناء الثقة بين الجارات الخليجية التي يمكن توصيفها مع ايران بأنها ليست ذات علاقة متسقة فهناك دول خليجية لها علاقات قريبة من طهران واخرى بعيدة عنها وايران دولة مهمة في الخليج تطل على اطول مسافة من شواطئه كما تربطها به علاقات تاريخية ضاربة في القدم, وعلى العلاقة مع ايران يتوقف الكثير من السلم والوفاق الاقليميين. هوية الخليج محل نزاع عربي ايراني منذ فترة طويلة ولقد كانت المصالح الدولية في السابق هي التي حددت مناطق حمراء كي لا يتعدى النزاع على الهوية المخاطرة من الجانب الايراني ولقد نجحت الدبلوماسية ايضا وضبط النفس في حل قضية كانت موضع نزاع بين الجانبين العربي والايراني وهي استقلال البحرين وعروبتها الا ان مناطق النزاع ما زالت قائمة في اكثر من جانب: الاول هو الجزر في الخليج وهي جزر لا تزال محل نزاع وتسمم العلاقات الخليجية الايرانية وبعد ذلك وجود القوات الدولية في الخليج خاصة الامريكية واعتراض ايران الدائم على ذلك وان كان الامر الثاني قد قبل بشيء من الفهم وبكثير من المضض فإن الامر الاول (الجزر) لا يزال عقبة تحول دون اي وفاق كامل بين الدول العربية المطلة على الخليج وايران. ايران تمر بمرحلة تغير, لا يستطيع احد ان يراهن على ما اذا كانت تتجه نحو محصلة اصلاحية او محافظة (على ما في المصطلحين من غموض) لذا فإن احدى مناطق الاحتكاك الايرانية الخليجية يمكن ان تنبع من عدم الثقة لدى كل طرف في النوايا والمفاهيم لدى الطرف الآخر, وهي تتمثل في حق دول الخليج في البحث عن حلفاء لمساعدتها في استتباب امنها من جهة ووجود قوى خارجية تعتقد ايران انها ذات طبيعة غير متعاطفة مع السياسات الايرانية من جهة اخرى, ويمكن ان تشكل خطرا عليها. وهذا الفارق في الفهم يسبب الكثير من الشكوك. في الوفاق الامريكي الايراني ـ ان تم بشكل كامل ـ نزع لفتيل عدم الثقة ذاك, ولكن الامر لا يزال مبكرا للحديث عن تغيير في السياسات يقود الولايات المتحدة الى التضحية بسوق ومصدر طاقة مثل الخليج ومنطقة استراتيجية دولية, في سبيل وفاق قد لا يأتي كما انه من الخطأ البحث عن تحالف اقليمي يقوي سطوة القوى الشمولية في الخليج ولا يسترضي ايران او يحقق توازنا معقولا. أرى ان التسرع في افتراض ان وفاقا ايرانيا امريكيا قريب الحدوث فيه الكثير من المبالغة, كما ان التسرع في افتراض ان هذا الوفاق, لو بدأ سيكون على حساب العلاقات بالخليج هو من قبيل المبالغة ايضا والمؤكد ان احد المسببات لتخفيف حدة الصراع في منطقة الخليج هو فهم افضل بين الطرفين الايراني والامريكي على قاعدة نقد الماضي ووضع سياسات جديدة تحترم اجتهادات وخيارات الاطراف المختلفة في الخليج فنحن جميعا نحتاج الى مرحلة من الاستقرار, والتنفس بهدوء بعد كل هذه الزوابع التي اجتاحت المنطقة في الثلث الاخير من القرن الماضي.

تعليقات

تعليقات