متابعة قمة جنيف بين الرئيسين الأمريكي والسوري أظهرت انها ليست مجرد لقاء بروتوكولي لاخراج الحل المتفق عليه إلى العلن كما توقع معظم المراقبين, وإنما هي قمة صعبة ما زالت معرضة للتفاوض الصعب والأخذ والرد والاحتمالات المختلفة. فرغم ان المسئولين الأمريكيين سعوا إلى الحد من التوقعات خلال اليومين الماضيين في محاولة لتخفيف موجة التفاؤل العارمة بالوصول إلى تسوية نهائية للصراع العربي - الصهيوني على المسار السوري اللبناني, إلا ان معظم المراقبين فسروا هذه التوجهات كجزء متمم لعملية الاخراج ووسيلة للتخاطب مع الشعوب المعنية في المنطقة. وقد أكد المتفائلون وأصحاب مدرسة أن (كل شيء جاهز) وجهة نظرهم بأن الوقت المحدد للقمة الخطيرة والهامة لا يزيد على ثلاث ساعات فقط, وان كلينتون والأسد معا ليسا ممن يملكون الوقت أو الرغبة في قمم ومغامرات غير محسوبة, خاصة وانه من المعروف عن الرئيس السوري حافظ الأسد تحديدا انه لا يغادر عاصمة الأمويين دمشق إلا إذا تطلبت ذلك أمور جليلة وأحداث كبيرة. لكن القمة طالت, وتم تعليق وتمديد جلساتها, واحتاج كلينتون لمراجعات هاتفية مع باراك, وهذا ما يعني أن نقاطا مهمة ما زالت عالقة, وأن المفاوضات بين دمشق وواشنطن ومن وراء هذه الأخيرة تل أبيب شاقة هذه المرة أيضا, ككل المفاوضات السابقة, رغم كل جهود التحضير وعمليات التفاوض التمهيدية المستمرة منذ عدة أشهر. كذلك فإن صعوبة المفاوضات تؤكد ان التخوفات التي أعلنتها دمشق قبل القمة كانت في محلها, حيث تحدث مسئولون سوريون ووسائل اعلام رسمية عديدة هناك عن قلقهم من سعي اسرائيل إلى افشال القمة في اللحظة الأخيرة. والواقع ان هذا الحذر السوري كان له ما يبرره في ضوء تلك التصريحات العدوانية التي صدرت عن ديفيد ليفي قبيل القمة مباشرة, والتي لم يكن لها من مبرر أو تفسير إلا اجهاض القمة من خلال تأكيده على ان (إسرائيل لن تنسحب إلى حدود الرابع من يونيو 1967) ! ومع ان مسيرة المفاوضات الطويلة وخبراتها بين العرب وإسرائيل تؤكد ان الدولة الصهيونية مستعدة للمقامرة بالسلام من أجل مصالحها وتوسعيتها وتلبية عدوانية نخبها, كما حدث مرارا في السابق على مختلف المسارات, إلا ان للمنطقة وللعالم, وخاصة لاسرائيل نفسها, مصلحة شديدة بنجاح عملية التسوية. ولذلك فلا يجب استبعاد تمخض هذه القمة عن نتائج هامة, لكنها لا يمكن أن تحقق أهدافها كاملة إلا بانسحاب اسرائيلي كامل تلبية للموقف السوري الذي لن يقبل التنازل عن أي من حقوقه الوطنية ومتطلبات السلام العادل, التي على رأسها الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال المعتدية.