اليوم تشهد جنيف قمة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والرئيس السوري حافظ الأسد, وخلال الأيام الماضية تسابق المراقبون على وصفها بأنها (الفرصة الذهبية) و(الفرصة الأخيرة) لصنع السلام, أو كما وصفتها جريدة (الثورة) السورية بأنها القمة التي (ستعيد رسم السياسات والاستراتيجيات في المنطقة إن انتهت نهاياتها المنطقية) . فقد كان واضحا قبل أسابيع قليلة أن عملية تسوية الصراع العربي ـ الصهيوني كانت على أبواب الانفجار الشامل, وذلك حين اشتد الصراع في جنوب لبنان, وتساقط جنود العدو في الميدان, بينما انفلت جنون النازية الصهيونية باتجاه تدمير البنية التحتية اللبنانية وتوزيع التهديدات التي جعلت المنطقة كلها برميل بارود قابلا للاشتعال في أي لحظة. من قلب ذلك التصعيد خرج الإعلان المفاجئ عن قمة كلينتون والأسد, وهذا ما حدا بالمراقبين إلى العودة إلى التفاؤل, وارتفاع المراهنات على استئناف عملية التسوية, على اعتبار أن من غير المنطقي أن تنعقد قمة على هذا المستوى وفي ذروة الأزمة إلا إذا كانت بالفعل مدخلا لانفراج جدي على المسار الإسرائيلي ـ السوري اللبناني. لكن اليومين الأخيرين حملا جديدا مضادا للتفاؤل, خاصة تلك التصريحات التي صدرت عن وزير خارجية العدو (ديفيد ليفي) والتي طالب خلالها كلينتون بالحصول من سوريا على اجابات حول (نزع الأسلحة والاجراءات الأمنية والمياه والتطبيع) في وقت بدا فيه ليفي شديد التطرف والعدوانية والتشبث بالمواقف التوسعية حين أكد ان (إسرائيل لن تنسحب إلى حدود الرابع من يونيو 1967) . أما واشنطن التي كانت قد خرجت عن حذرها باتجاه الحديث المتفائل فقد بدت خلال اليومين الماضيين أيضا في حالة نكوص وتردد وتسعى (للحد من التوقعات) حيث تحدث جيمس روبن الناطق باسم الخارجية الأمريكية عن (تفاوض صعب) و(تباينات جوهرية) وانه (لا يتوقع تحقيق اختراق) . وإذا كان من الممكن تفسير الحذر الأمريكي بأنه محاولة لكبح التفاؤل الزائد الذي قد يؤدي إلى أن تفقد نتائج القمة بريقها وأهميتها إذا جاءت دون التوقعات, فإنه من غير المستبعد بالمقابل أن تكون المناورات الاسرائيلية المعهودة أو حالات الانقسام السائدة بين المتطرفين الصهاينة المؤمنين باسرائيل الكبرى وبين الداعين إلى التسوية فيها سببا في تراجع أمريكي سبق أن تكرر مرارا حرصا على تماسك (الحليف الصهيوني) وقواه السياسية ولو جاء ذلك على حساب سلام المنطقة والعالم وقواعد الشرعية الدولية. أما بالنسبة للموقف السوري فقد ظل ثابتا وواضحا وتحدث حتى اللحظة الأخيرة عن (قلب وعقل مفتوحين) وعن أن (كلينتون سيجد أن كل القضايا الأخرى المتصلة بالسلام وهوامشه في ملفات مفتوحة إذا كان يحمل في جيبه مفتاح السلام: الانسحاب من الجولان) . هذا كله يعني ان نتائج قمة جنيف ستكون حاسمة بالفعل, وهي على الأرجح ستدفع عملية التسوية إلا إذا أصرت إسرائيل على المقامرة بالسلام على مذبح التوسع ورضخت واشنطن كالعادة لحليفتها المدللة.