بقلم د. محمد خالد الأزعر قبل زهاء أربع سنوات, نشرت صحيفة هاآرتس الاسرائيلية نص ما يعرف بوثيقة بيلين أبو مازن حول (الوضع النهائي لقضايا المسار الفلسطيني التفاوضي) . وكان من أهم ما تضمنته الوثيقة تصور لحل قضية القدس, قيل ان مفاوضين فلسطينيين واسرائيليين توافقوا عليه. قوام هذا التصور هو: توسيع حدود المدينة لتشمل أحياء وقرى أبوديس والغيورية وسلوان بالجوار. وتستطيع السلطة الفلسطينية فيما بعد ان تتخذ من هذه الأ حياء مجتمعة عاصمة ومركزا اداريا لها ولفلسطين المزمعة تحت مسمي القدس (AL Quds). بينما تسمى بقية أنحاء المدينة أورشليم (Jerusalem) منعا للالتباس وتبقي عاصمة أبدية لاسرائيل, ويرتفع العلم الفلسطيني أو الأردني على المقدسات الاسلامية والمسيحية, وتبقى مفتوحة للجميع بما لايتعارض مع السيادة الاسرائيلية. وفي حال معارضة هذا الحل, تكون مدينة رام الله هي عاصمة فلسطين.. ليس همنا في هذا المقام الافاضة عن مضمون هذا التصور ولا نقده وتفنيده ولا بيان نيات المفاوضين بشأنه والصعوبات التي تنطوي عليها عملية استنساخ المدينة المقدسة طبقا له. مع ان الأمر يحتاج لهذا الاشباع البحثي. الذي يعنينا أكثر, يتصل بموضوعة السرية والمكاشفة في اطار التفاوض حول القرس, ومدى نجاعته من عدمها بالنسبة لأهداف الطرف العربي الفلسطيني, وقياس صحة منهجية من هذا القبيل في الحال والاستقبال. فبعد أخذ و رد في الأوساط الصحفية والسياسية, أقر معظم المشاركين في إ عداد الوثيقة المذكورة عن الجانب الاسرائيلي وعلى رأسهم يوسي بيلين, بوجودها وصولا إلى نشرها كاملة, والتعريف بالذين أسهموا في صياغتها من الفلسطينيين والاسرائيليين تحت رعاية سويدية وفرنسية. وفي هذا السياق اتضح ان الوثيقة كانت نتاج عشرين اجتماعا سريا استغرقت أكثر من ثمانية عشر شهرا, جرت في كل من القدس ونيقوسيا وأمستردام وأوسلو ولندن وأثينا وباريس. مع ذلك كله, وعلى الرغم من ان الوثيقة باتت حديث الكافة, وكادت تصبح أحد التصورات المتداولة بين المعنيين كلما أطلت مخرجات التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي بعد عسر شديد.. فان بعض المفاوضين الفلسطينيين مازالوا يعلنون بجرأة يحسدون عليها براءتهم منها, نافين علمهم بها من الأصل. لكن هذا الموقف لم يكن على مدار السنوات الأربع الماضية مقنعا, لاسيما للذين خبروا أسلوب التفاوض الفلسطيني وفقا لتجربة أوسلو وكثير من توابعها. ثم ان مجريات الوقائع الراهنة, حيث يتركز الخلاف التفاوضي حول إعادة الانتشار من عدمه في محيط القرى المحاذية للقدس, يشي بما لوثيقة بيلين أبو مازن من مرجعية. ولعل رد الفعل الفلسطيني الداخلي الغاضب معطوفا على الرفض العربي والإسلامي الظاهر لمحتويات الوثيقة المزعومة هو المسؤول الأول عن تنصل المشاركين الفلسطينيين من إنتاجها. وهذا يقودنا إلى بيت القصيد. فالسرية لا تصلح بالمرة فيما يتعلق بما يسمى قضايا الحل النهائي الفلسطيني. ذلك لأنها من النوع الذي يخص عوالم أوسع بكثير مما يحسب بصفة مفاوضين. ومهما أوتي هؤلاء من حظوظ في قدرات التبرير وعرض الحجج وتلميع الاتفاقات التي يتوصلون إليها خفية, فإن نبض الرأي العام المنحاز إلى ثوابت بعينها إزاء هذه القضايا, لن يستجيب بسهولة ولا حتى بصعوبة لأطروحاتهم طالما ثبت بعدها عن هذه الثوابت. من ذا الذي بوسعه إقناع قرابة خمسة ملايين لاجئ فلسطيني بتجاوز حقهم في العودة, المضمون بحسب شرائع السماء والأرض, وأكثر من مئة قرار للأمم المتحدة؟ ومن يملك إقناع أكثر من مليار عربي ومسلم بأن القدس يمكن ان تخضع لسيادة الكيان الصهيوني, وهي المدينة التي لم تخضع يوما لغير سيادة الأروقة العربية أو العربية الإسلامية منذ عهد اليبوسيين إلى اليوم, إذا استثنينا فترات الاحتلال الأجنبي التي لا يترتب عليها نقل السيادة؟ لا يقدم على محاولات كهذه سوى من يتصور قدرته على تخبئة الشمس خلف أصابعه. ولا يعد ذلك قدحا في التفاوض السري بحد ذاته. فهذه الآلية معروفة ومعتمدة كإحدى آليات فض المنازعات في العلاقات الدولية. بيد أنها تفقد صلاحيتها كلية بالنسبة لقضايا بعينها, كما أنها ليست الوسيلة المناسبة إطلاقا لاستخلاص حقوق طرف يحسب أنه الأضعف في المفاوضات. وتكون النتائج كارثية على هذا الطرف حين تستبعد المرجعيات القانونية والحقوقية ذات الصلة بقضايا التفاوض.. وهذا هو عين ما سيحدث على الصعيد الفلسطيني لإسرائيل بخصوص القدس, ان مضى الطرف الفلسطيني على طريق السرية. يحتاج التفاوض الفلسطيني لعلنية التفاوض حول القدس بإلحاح: أولا لاستدعاء مساندة مئات الملايين من ورثة الحضارة العربية الإسلامية التي ترى قضية المدينة تتعلق بالعبادة والسيادة معا. وثانيا لاستحضار الإطار القانوني الحقوقي الذي يعزز موقفه ومطالبه على طول الخط. وثالثا لأنه سيتعرض للاعتصار وسيضطر للتنازل ان فاوض وحده في خفاء وظهره إلى الحائط. ورابعا لأن كل ما يتوصل إليه سرا لن يقدر له التطبيق وهكذا سيخسر صدقيته بلا مبرر معقول وسيكره على الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه. وخامسا لأنه سيخوض في غياب العلنية غمار أسلوب تم تجريبه في أوسلو بشكل حقيقي, وبالنسبة لوثيقة بيلين أبو مازن بشكل اختياري, وعندئذ سيكون كمن يلدغ من الجحر ذاته أكثر من مرة.