عندما أعلن السوفييت وبعدهم الأمريكان عما عرف بصناعة أو ثورة (الأقمار الصناعية) فإنهم كانوا يتطلعون إلى أهداف رسموها لحضارتهم, وليوم قادم ستكون فيه السيطرة لوسائل الاتصال أكثر من أي وسيلة أخرى, وبالفعل فقد صاروا يزرعون الفضاء, يزرعونه أقمارا صناعية لأغراض الحرب والسلم والسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الكون, ولم يبخلوا على الاعلام فجعلوا الأقمار الصناعية في خدمته فكانت النتيجة اعلاما مسيطرا ومبهرا و(مدوخا) إلى أقصى الحدود. وعندما استيقظ العرب على نهار آخر, اكتشفوا أن القمر لم يعد الضياء والجمال ووجه الحبيبة ورفيق السمار, صار قمرا صناعيا, صار جاسوسا وناقل أخبار, فأرادوا أن يكون لهم واحد من هذه الأقمار على طريقة الأطفال تماما, وعندما امتلكوه وأعلنوا عنه أمام شعوبهم المغلوبة على أمرها صفقت الشعوب ـ كالمعتاد ـ وهللت وكبرت واعتقدت أنها ستحصد, كبقية الشعوب المتقدمة, ثمار ثورة الاتصالات والأقمار الصناعية. اكتشفنا بعد (البيان الأول) للانقلاب الاعلامي إثر اقتناء القمر الصناعي العربي, ان ثمار القمر قد اقتطفها وأكلها وتلذذ بها رجال ونساء يعملون في أجهزة تسمى التلفزيونات والاذاعات, ينتجون أعمالا وبرامج ولقاءات ومسابقات وأغنيات يحجزون لأجلها القمر ساعات وساعات, وفي النهاية يتقيأ القمر ويصاب المشاهد بحالة فصام اعلامي عربي, ويبتسم اولئك الرجال والنساء, مهنئين انفسهم على انجازاتهم الاعلامية!! وتأملوا ساعات البث المباشر في تلفزيوناتنا لأي نوعية من البرامج تحجز وستعرفون مقدار استهتارنا بنواتج الحضارة الانسانية, وكيفية تصرفنا ازاءها. في سهرة بثتها احدى المحطات الفضائية العربية منذ عدة ايام, كان البرنامج يذاع على الهواء مباشرة, وكان صراخا وضحكا بلا معنى, وكانت اسئلة لا تقود سوى للفراغ واللامعنى, احد اسئلة المسابقات كان عرض لقطة من فيلم عبدالحليم حافظ (ابي فوق الشجرة) وبعد اللقطة كان السؤال: ياترى كم (بوسة) كانت في المشهد بين عبدالحليم وميرفت امين؟ ألم اقل لكم اننا نستهتر بنواتج الحضارة إلى درجة الغثيان؟! مادونا, المطربة الامريكية صاحبة الفضائح المعروفة, تعيش علاقة ـ محرمة طبعا ـ مع صديقها المخرج (جي ريتشي) ولا دخل لنا بالامر تماما من قريب أو بعيد, فقد سبق للمطربة ان انجبت طفلة هي ثمرة علاقة مع مدربها الرياضي, لكن وسائل اعلامنا تأبى الا ان تقحمنا في تفاهة لا مثيل لها حين تصر على ألا يفوتنا نبأ حملها الثاني من صديقها البريطاني الذي اعلن معها نبأ الحمل في مؤتمر صحفي!! هل يعقل ان يكون هذا الخبر مما يستحق النشر اساسا, ام انها حرية الصحافة على طريقة عصر العولمة؟ نحن نستخدم كل وسائل وتقنيات الاتصالات الحديثة والمتطورة لكننا لا ننتج اعلاما متحضرا ومتطورا! لماذا؟ لاننا نشتري دون ان نبدع ثقافتنا على مسئوليتنا, وعليه فنحن نراكم تخلفنا ونزيده, نحن نشتري التكنولوجيا لنحول عقدة النقص إلى عقدة تفوق, فيبقى التخلف متواريا لكنه لا يختفي ابدا.