بقلم: عبدالله الحوراني بينما يجلس المفاوضون الفلسطينيون على طاولة المفاوضات في واشنطن, ليرسموا مع نظراءهم الاسرائليين, وبرعاية مضيفيهم الامريكيين, ملامح ما يسمى بالحل النهائي, او ليضعوا اطارا له, قد يكون من المفيد تذكيرهم بمجموعة من الثوابت التي لا يجب نسيانها, فالذكرى كما نعلم ويعلمون تنفع المؤمنين. أولا: اذا كانت الارض العربية الفلسطينية ظلت راسخة في مكانها, لأن الاحتلال لم يستطع ترحيلها. فقد ظل الحنين للعودة اليها مجسدا في شاهد حي تمثله مخيمات الداخل والشتات, وهي شواهد ليست كشواهد القبور التي تؤشر على موت اصحابها, وإنما هي شواهد من لحم ودم, وتنبض بالحياة, وتتطلع للعودة الى الارض التي لم تمت ولم ترحل ولم تنكر اصحابها رغم طول الغياب. ولذلك فإن مفهوم العودة, هو عودة اللاجئين الى ارضهم وممتلكاتهم التي انتزعت منهم, وابعدوا عنها عام ,1948 وليس عودة لاجئي الشتات الى مناطق السلطة الوطنية او الدولة الفلسطينية فيما لو قامت, فمثل هذا التحوير في مفهوم العودة يهدف الى جعله بديلا لحق العودة بمفهومه الاساسي, ويدخل في سياق مشاريع التوطين التي يجري الترويج لها, كما انه يسقط منذ البداية حق لاجئي الداخل في العودة باعتبارهم مقيمين داخل حدود الوطن في الضفة والقطاع. كما يستثنى حق المهجرين في وطنهم, من ابناء الجليل والمثلث والنقب واللد والرملة ويافا, المحرومين والمبعدين من اراضيهم وممتلكاتهم مع انهم يعيشون حولها في هذه المناطق. وهؤلاء يبلغ عددهم ربع مليون عربي فلسطيني من اصل مليون يعيشون داخل فلسطين المحتلة (اسرائيل). ثانيا: ان حقنا في العودة ليس منحة او منة من الشرعية الدولية, فهو حق تاريخي ثابت وسابق لوجود الامم المتحدة وعصبة الامم, وسابق تاريخيا لوجود اسرائيل والحركة الصهيونية وحتى الولايات المتحدة الامريكية, وهو حق لا جدال فيه ولا تفاوض عليه. وانما يكون التفاوض على كيفية تطبيقه. والاشارة لقرارات الامم المتحدة هي فقط للتسلح بموقف المجتمع الدولي الذي اقر به, ولمحاججة الخصوم الذين ينكرونه, وللربط بين قرارات الشرعية الدولية والاعتراف بدولة اسرائيل باعتباره كان مشروطا بقبولها هذه القرارات واستعدادها لتنفيذها. ثالثا: ان حق اللاجئين في العودة الى ارضهم وممتلكاتهم فضلا عن انه حق وطني وقومي, فهو في بعده الآخر حق شخصي وملكية فردية وجماعية للاجئين واجيالهم اللاحقة. لا يملك احد غيرهم حق التصرف فيه او التنازل عنه او المقايضة عليه مهما كانت الصفة التمثيلية التي يحملها فهم لم يفوضوا احدا بذلك فعندما فوض الشعب العربي الفلسطيني امره لمنظمة التحرير, واختارها طوعا قائدا لنضالاته وممثلا شرعيا وحيدا له كان ذلك على اساس تحقيق اهدافه الوطنية في العودة وتقرير المصير, واقامة دولته المستقلة. وحين يتم الاخلال بهذا الاساس. فإن شرط التمثيل ايضا سيختل. رابعا: ان قراري الجمعية العامة للامم المتحدة (181) لعام ,1947 و(194) مازالا يشكلان الاساس الدولي الذي يحفظ حقوق اللاجئين في ارضهم وممتلكاتهم والعودة إليها. وهذان القراران لم يسقطا بالتقادم بدليل ان القرار (194) ما زالت الجمعية العامة للامم المتحدة تؤكد عليه سنويا وبأغلبية كبيرة منذ عام 1948 والى اليوم وحتى الولايات المتحدة الامريكية ظلت تصوت الى جانب هذا القرار حتى عام 1994 حين توقفت وصارت تكتفي بالامتناع عن التصويت بحجة ان الموضوع اصبح من مشمولات القضايا التي سيجري التفاوض عليها وفق اتفاقيات اوسلو. اما القرار (181) فقد تأكدت حيويته وصلاحيته, حين استندت اليه دول الاتحاد الاوروبي في بيانها الشهير, الذي رفضت فيه الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل. باعتبار ان القرار استثنى القدس من حدود الدولة اليهودية. خامسا: ان الحديث عن التعويض المادي بديلا للعودة, هو حديث لا يغري, ولا يجب ان يضلل احدا, فهو ليس اكثر من عملية خداعية لاقناع اللاجئين بقبول التعويض بعد تيئيسهم من امكانية العودة, واستغلال ظروفهم الاقتصادية الصعبة. ومع ذلك لن ينالهم من هذا التعويض شيء, غير التنازل عن حقهم وارضهم, وخسارتهم لشرفهم الوطني. ذلك ان هذه التعويضات يجري الحديث منذ الآن, عن اوجه التصرف فيها او المقايضة عليها. فمن جهة تطرح اسرائيل مقابل تعويضات اللاجئين الفلسطينيين, تعويض اليهود الذين هاجروا من البلدان العربية اواخر الاربعينيات واوائل الخمسينيات, وتقدم ارقاما لاعدادهم تعادل او تقارب اعداد اللاجئين الفلسطينيين عام 1948. وقد تكون النتيجة في ظل موازين القوى القائمة, وشروط الاتفاقات التي تميلها اسرائيل, ان يجري التنازل عن هذه مقابل تلك. ومن جانب آخر تتحدث بعض البلدان العربية المضيفة للاجئين عن المليارات التي انفقتها او التي ستنفقها على اسكان اللاجئين واعاشتهم وتأهيلهم وهي بذلك تمهد للحصول على هذه التعويضات وفي الحالتين فإن الخاسر هم اللاجئون اذا قبلوا بمبدأ التعويض. سادسا: التعويض الذي يتطلع اليه اللاجئون, ويصرون على المطالبة به, مع المحافظة على حقوقهم في ارضهم وممتلكاتهم, هو التعويض عن استثمار اسرائيل لهذه الاراضي والممتلكات على مدى اكثر من نصف قرن. وهي الممتلكات التي لا تزال مسجلة باسمائهم لدى الدوائر الاسرائيلية وتستغلها هذه الدوائر كأملاك للغائبين. وفي هذه التعويضات المشروعة ما يكفي لتحسين احوال اللاجئين, والانفاق عليهم, الى ان يتمكنوا من حق العودة. سابعا: ان النظرة الاسرائيلية والامريكية والغربية عموما لقضية اللاجئين تنحصر في زاوية اقتصادية, وترى حلها في اطار مشروع الشرق أوسطية الاقتصادية الذي تسعى لتحقيقه من خلال عملية التسوية السياسية الجارية على اساس توطين اللاجئين في البلدان العربية المجاورة, وادماجهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها, وهي بذلك تتجاهل ان قضية عودة اللاجئين تتصل بشرعية حقوق الانسان والقانون الدولي وبالتالي فإن الحل القائم على الشرق اوسطية الاقتصادية والتوطين لن تكتب له الديمومة مستقبلا حتى لو تم تنفيذه قسرا في الوقت الراهن. فمثل هذه النظرة الاستعمارية لقضية اللاجئين, تعود الى السنوات الاولى للمشكلة ولم يتوقف السعي لتحقيقها, ولكن جميع المشاريع فشلت امام حالة الاصرار والتمسك بالحقوق الوطنية والدفاع عنها التي جابه الشعب العربي الفلسطيني بها هذه المشاريع. ان ما يدعو الى التأكيد على هذه الثوابت هو القلق مما يجري الحديث حوله همسا, او ما تسربه الدوائر الاسرائيلية من معلومات عن مذكرات تفاهم جرى او يجري البحث فيها كأساس لمفاوضات الحل النهائي او ورشات عمل يعقدها باحثون فلسطينيون واسرائيليون ودوليون في عدد من العواصم الغربية, وكلها تدور حول حل لقضية اللاجئين يقوم على توطينهم وتأهليهم في اماكن تواجدهم في الشتات او الداخل, وتحسين اوضاعهم الاقتصادية واعطائهم بعض التعويض المعنوي والمادي, ويعفي اسرائيل من مسئوليتها عن هذه القضية اللهم الا من اعتراف او اعتذار معنوي عما وقع لهؤلاء اللاجئين من اذى نتيجة قيام اسرائيل. و في كل هذه الافكار يجري تجاهل الحقوق السياسية والوطنية, اي الحق في العودة. بل يجري نفيه, واعتبار كافة الدعاوى والمطالب الفلسطينية المتعلقة بهذه القضية منتهية. ان تمرير مثل هذه الحل الذي قد يمكن للاستعمار الصهيوني الاستيطاني في المنطقة العربية, ويسكن جسد الضحية الفلسطينية بالاكراه, في غير موضعه الصحيح من الجغرافيا والتاريخ سيكون الرد الفلسطيني والعربي عليه هو المقاومة, المقاومة بوسائل كثيرة متاحة الآن, وستتاح بصورة اكبر مستقبلا وبالتالي فإن مثل هذا الحل لا يمكن ان يكون نهائيا ولا دائما. واذا كان الوضع العربي الآن, بما يعانيه من ضعف وتفكك يشجع اصحاب هذا الحل على استغلال اللحظة التاريخية لتمرير رؤيتهم, فإن الرؤية الشاملة, واسعة الافق لا يمكنها ان تتوقف عند اللحظة الراهنة, دون ان ترى المستقبل وتفاعلاته وتغيراته.