في كل مكان في العالم وتحديدا في الادارات العامة والوظائف الحكومية والخاصة, هناك متورطون حتى آذانهم في قضايا فساد لا تعد ولا تحصى, لو تم كشفها والتحقيق فيها لامتلأت السجون عن آخرها, ولاكتظ جدول المحامين والقضاة, ولانتعشت فكرة خصخصة السجون التي بدأتها بريطانيا منذ مدة, حيث ستبدو الفكرة مربحة, ذلك ان (الزبائن) سيكونون (اكثر من الهم على القلب)! والفساد انواع ودرجات, ويكاد يكون الصفة العالمية التي تهيمن على اغلب المجتمعات, وتنتشر في معظم هياكل مؤسساتها الحكومية والخاصة, العملاقة منها ومحدودة الانشطة, وقد يبدو هذا الكلام معروفا للجميع, اما السؤال عن سبب تفشي الفساد فيعود امره لظاهرة التواطؤ أو الاتفاق بين جهات عديدة واشخاص كثيرين يسهلون لبعضهم امر الفساد حماية أو حرصا على مصالحهم الخاصة, خاصة في ظل انعدام القوانين الرادعة والرقابة المالية الادارية الفاعلة, وكما ذكر احد المسئولين في ديوان المحاسبة ذات مرة: (مشكلتنا انه لا توجد رقابة ادارية, فالاخطاء الادارية كثيرا ما تنتج عنها اخطاء مالية) . ان تعبير (الاخطاء المالية) يبدو لطيفا ومهذبا اكثر مما يجب, لكن النظر فيما خلف التعبير أو الغوص في دهاليزه وفك شيفرته, يقود بلاشك إلى توزيع تهم, ووضع كثيرين تحت المساءلة, وحينما يصل الامر إلى توجيه تهم صريحة في بعض المجتمعات الغربية مثلا, نسمع عن انتحار مسئولين في منازلهم أو سجونهم, تماما كما فعل المدير الاعلى لبلدية (بون) مؤخرا, الالماني (ديتر ديكمان) الذي وجد منتحرا في زنزانته التي اوقف فيها للتحقيق معه من قبل النيابة العامة بتهمة الارتشاء والاختلاس والتهرب من دفع الضرائب بما قيمته ملايين الماركات. في اليابان يجثو المسئولون الذين يتم كشف تورطهم في قضايا فساد على ايديهم وارجلهم امام الجماهير وعدسات التلفزيون طالبين المغفرة, وفي الغرب يساقون إلى المحاكم تتبعهم وسائل الاعلام نابشة عن كل تفاصيل الفضيحة, في بعض البلاد يطلقون على انفسهم النار انتحارا وخلاصا من مواجهة الناس والاسرة والابناء, وفي بلاد العالم الثالث الذي يتسامح كثيرا في القضايا المصيرية والكبرى كالاعتداء على حقوق الناس وسرقة المال العام, فان امورا اخرى تحدث ومقايضات وصفقات تهريب من السجون واعفاءات لا ندري كيف تتم! واحيانا ـ أو غالبا ـ ما يتم التستر على هؤلاء واعفاؤهم من مناصبهم وتكريمهم بوسائل اخرى!! بطريقة الغوغائية واطلاق بعض التصريحات والكثير من الشعارات الرنانة, وصناعة احداث مبهجة ومفرقعة, يتم الهاء الناس في بعض المجتمعات عن حقائق الامور عندما تكتشف حوادث وحالات فساد كبيرة, وبدل ان يوضع المخطىء تحت طائلة الاجراءات القانونية, ويرتدع المخالفون والمفسدون, يتم تجاهل الامر أو تمريره أو القفز فوقه, بأساليب غير معقولة ولاعتبارات كثيرة, وبهذا يتراكم الخطأ, ويتحول إلى فساد لا يمكن التصدي له لأنه يتحول إلى شبكة لاتنتهي. كيف يكبر الفساد وينمو؟ حينما يتحول إلى (عقيدة) لها مدافعون وحراس وجيوش حماية! ولماذا لا يخترق أو يفتضح؟ لان (لوبي) الفساد قوي ومتماسك يشد بعضه بعضا لاعتبارات معروفة! ولذلك تعلن لجان وجمعيات حماية الصحفيين في العالم مقتل العشرات منهم سنويا, وخاصة في مناطق ازدهار الفساد السياسي والاقتصادي والاداري والعسكري, وللاسف فان اغلب هذه المناطق في العالم الثالث.