في حجرة للعناية المركزة تسللت على خيوط ناعمة من الحرير مخلوقة شفافة غير مرئية تحترف الحلم اسمها "الغيبوبة) وأحيانا يسمونها (كوما) .. تسللت لتسرق الوعي والانتباه من حياة الماسة الوطنية السمراء محمد نسيم.. وشهرته (نديم قلب الأسد) .. لقد فتحت الذبحة صدره وغرزت أظافرها في قلبه.. ثم راحت تسبح في دمه بحرية لم تقدر على ايقافها أقراص الأطباء الحمراء والصفراء.. فطرقت أبواب المخ.. وتمهلت بين خلاياه ثم عادت لتعربد في القلب.. ثم جرت تحرض الهواء على مقاطعة الرئتين بعد ان سدتا بسواد أطنان من قطران السجائر الذي تلقتها على مدى أكثر من أربعين سنة في استسلام.. وأخيرا اقنعت الجسم بأن يتيه عن ما حوله رغم الأسلا ك والخراطيم الواصلة بينه وبين أجهزة شديدة الدقة والحساسية.. ثم في النهاية أقنعت الروح بالصعود الى بارئها. تلقى محمد نسيم إنذارا صحيا شديد اللهجة على يد ذبحة سابقة في مايو 1999 وهو في دمشق.. لكنه مثل كل الذين حملوا أعباء هذا الوطن على أكتافهم لم يستجب للانذار.. ومثل كل الذين احترفوا التعامل مع الموت والخطر والموساد استهان بنقطة دهون صغيرة تسد شرايين قلبه.. وراح يواجه ما حوله بعناد اشتهر عنه.. على ان نقطة الدهون التي في حجم رأس الدبوس والتي تجيد خطط الهجوم على المراكز الحساسة للحياة كانت أخطر عليه من كل فرق القتل والقنص والمطاردة في المخابرات الاسرائيلية التي كانت تريده حيا أو ميتا لعقود طوال.. ودخل الرجل الذي دمر الحفار ورسم خطة تفجير المدمرة ايلات وساهم في تدريب رأفت الهجان وحقق في قضية انحراف المخابرات بعد هزيمة يونيو المستشفى على قدميه.. لكن.. سرعان ما انزلقت حالته الصحية على سطح أملس كالجليد.. ونافس تضرع زوجته وو لديه وأقاربه وأصدقائه الى السماء محاليل وخراطيم الأطباء.. ولكن المعجزة التي كان ينتظرها الأطباء لم تحدث.. وخرج السر الإلهي في فجر الأربعاء 22 مارس عام2000. إن مهنتي هي الانفعال والكتابة وقد كنت أتصور دائما أنها أسرع الطرق لرفع الضغط وتعطيل احتراق السكر وزرع امرأة في الدم قادرة على ايقاف القلب في أي وقت اسمها الذبحة الصدرية.. ولأن فاقد الشئ يبحث عنه فقد كنت أحسد ضابط المخابرات دائما على هدوء الأعصاب الذي يولدون به.. وكنت أتصور أنهم لايصابون بأزمات القلب.. العاطفية والصحية.. وكنت أتصور أنهم أشد برودة من الموت نفسه.. لم أكن أتصور أنهم بشر مثلنا.. ينفعلون.. يخافون.. يمرضون.. يدخلون غرفة الانعاش.. ويحتاجون للدعاء..لكنني اكتشفت أنهم من لحم ودم.. وفرح وحزن.. أما قوتهم الخرافية.. السوبرمانية.. فمصدرها ايمانهم بدورهم في حماية الوطن.. ومن يضع الوطن في عينيه يضعه الله في حمايته.. ولابد ان يكون الايمان حقيقيا.. فالدور الذي يلعبونه هو دور خفي.. مستتر.. لاتلقى عليه الأضواء.. وليس من حق أصحابه ان يكونوا نجوما.. فالبطولة جماعية.. والوسام في النهاية على صدر الوطن. وقد شاءت الأقدار ان يعرف الناس ما فعل محمد نسيم أو بدقة أكثر يعرفون جزءا مما فعل.. قطرة في بحر مما فعل.. ومن ثم أصبح محمد نسيم نجما رغم أنفه.. وبطلا لم يكن يتصور اننا سنعرف بطولته.. ولكن.. الضوء نصيب.. والشهرة قضاء مكتوب.. لاتقدر على منعه كل قوانين السرية. ولد محمد نسيم في القاهرة القديمة.. في حي شعبي هو (المغربلين) .. الشهير بالدرب الأحمر.. كان البيت الذي تربى فيه يقع خلف مسجد (المردائي) .. أشهر المعالم البارزة في الحي.. لم يكن هذا المسجد للصلاة فقط.. وإنما كان للمذاكرة ومراجعة الدروس.. قبلة الصلاة أمامه وكتب المدرسة بين يديه.. والله الذي يستمد منه العون والحماية في صدره.. يحمله معه في كل مكان.. حتى ولو كان سيدخل متسللا فيما بعد إلى أرض العدو في اسرائيل.. أو حتى سيحمل حقائب متفجرات بنفسه من القاهرة الى دكار عبر باريس لتفجير الحفار. قبل ان يكمل ثلاث سنوات لم يجد أمه الى جواره.. خطفها الموت.. ذلك الكيان البارد الغامض العاجز عن المواجهة.. لقد تسلل ليلا وأخذ أمه وترك رسالة عليها شريط أسود قال له فيها: إنه مضطر لذلك.. ويبدو ان المواجهة المبكرة للموت منحته حصانة ومناعة وشجاعة في التعامل معه فيما بعد.. لقد قابل الموت وهو طفل صغير.. فلماذا يخشاه وقد أصبح شابا ورجلا وضابطا في المخابرات المصرية.. ثم انه تعلم الملاكمة وهو على عتبة الشباب.. فهل كان ينتظر الموت ليلاكمه.. أم كانت الريا ضة هي فرصته لاثبات وجوده بعد ان شعر بعبء الدراسة والمذاكرة والتحصيل؟. في الخامسة عشرة من عمره انتقلت أسرته الى حي المنيرة.. القريب من النادي الأهلي.. فكانت ملاعب الهوكي وحلبات الملاكمة مفتوحة أمامه.. وفيما بعد أصبح بطل الكلية الحربية والقوات المسلحة في الملاكمة.. وفيما بعد.. في مباراة دولية للهوكي بين مصر وباكستان أصيب في أنفه فكسرت (الأرنبة) .. وتركت الاصابة علامة مميزة في وجهه.. وفي مباراة ملاكمة في الكلية الحربية أصر على ان يكمل المباراة رغم اصابته بشرخ في يده اليمني.. وكافأه وزير الحربية حيدر باشا بمنحه المجانية طوال سنوات الدراسة في الكلية وكان لايزال في السنة الأولى.. وأغلب الظن ان يوسف السباعي استوحي هذا المشهد وهو يكتب قصة فيلم (رد قلبي) . لكنه.. سرعان ما قرر اعتزال الملاكمة عندما وجد نفسه يتلقى لكمة قوية من منافسه على بطولة الجيش في عام 1951 صلاح أمان أفقدته الوعي والذاكرة.. ورغم أنه فاز في المباراة بالضربة القاضية إلا أنه لم يشأ ان يعيش تلك الحالة مرتين.. على ان الرياضة منحته فرصة الزواج من إحدى بطلات مصر في الجمباز.. وهي سيدة هادئة.. متزنة.. واقعية.. متابعة لما يجري حولها.. ترك لها مسئولية حماية ظهره وتربية ولديه هشام وفؤاد وهما مهندسان لكنهما يعملان في السياحة.. في نويبع وقد وجدتها على باب حجرة الانعاش تقرأ القرآن وتستقبل زواره من الفجر الى ما بعد العشاء. لقد التحق محمد نسيم بالكلية الحربية في عام 1949 وتخرج فيها بعد عامين ليلتحق بسلاح المدرعات ويشارك وهو ضابط فيه بحرب (السويس) عام 1956 لكن.. ما ان انتهت الحرب حتى اختير للانضمام الى المخابرات العامة وكانت لاتزال وليدة.. عمرها لايصل الى عامين.. فقد بدأ التفكير فيها في صيف عام 1954 بعد ان كشفت قضية (لافون) .. قضية الشبان والبنات اليهود الذين أمرتهم الموساد بتفجير مراكز المصالح البريطانية والأمريكية لتخريب العلاقات بين القاهرة من ناحية.. ولندن وواشنطن من ناحية أخرى.. كان عمره في ذلك الوقت لايزيد على 21 سنة.. وقد اختير للعمل في (الخدمة السرية) .. وهو الجهاز المدبر والمخطط لعمليات اختراق العدو.. وزرع الجواسيس في أجهزته.. وتجنيد العملاء من أفراده.. وجمع الأسرار عنه.. والحصول عليها من بين أنيابه.. أما الجهاز الآخر.. (الأمن القومي) .. فمهمته مكافحة الجواسيس الأجانب الذين يتسللون الى الداخل.. أو المصريين الذين يفقدون مناعتهم الوطنية ويسقطون في (بئر الخيانة) .. عليه القبض عليهم وتقديمهم لمحكمة أمن الدولة العليا ليكون مصيرهم في الغالب حبل المشنقة. لقد كان محمد نسيم من الجيل الأول في المخابرات العامة.. وهو جيل كان عليه ان يواجه ويتعلم.. ويخطط ويدرس.. يقاتل بالعقل ولكن بدون إمكانيات.. كان التحدي أهم أجهزته الدقيقة.. وكان الحماس هو القوة الخارقة الوحيدة المتاحة له.. إنها سنوات التألق الوطني التي كان الكل فيها في بوتقة واحدة.. ولم يكن فيروس الأنانية الفردية قد تمكن منا.. ولم يكن شعار (أنا ومن بعدي الطوفان) قد فرض نفسه علينا.. كانت هناك قضية وطنية.. وكانت الحدود واضحة بين الخطأ والصواب.. بين الكفر والايمان.. بين الموهبة وادعاء الموهبة. لم أعرف محمد نسيم الا في بداية الثمانينيات.. كان قد ترك المخابرات وأصبح مسئولا عن هيئة تنشيط السياحة.. قابلته صدفة في الجزائر.. كان قادما لتنفيذ أسبوع سياحي في وقت كانت فيه العلاقات بين البلدين مقطوعة.. ولكن كانت هناك رغبات في اعادتها.. فكانت السياحة هي الخطوة التي تسبق السياسة.. ولاحظت قدرته المذهلة على تنفيذ العمل.. انه لا يترك التفاصيل الصغيرة تمر حتى لا تحدث الكوارث الكبيرة.. ويعرف كيف يتدخل في الوقت المناسب قبل ان يصبح عود الكبريت شعلة حريق.. وقد كانت فرصة لنا.. يوسف شاهين وعزت العلايلي وفايزة سعد ان نسأله على العشاء كل مساء في مطعم فندق (الأوراسي) عن كل ما سمعناه عن المخابرات من أساطير وخرافات. وعرفت منه ان كثيرا من العمليات التي قام بها كانت بتكليف مباشر من جمال عبدالناصر شخصيا.. كان يستدعيه ليشرب معه فنجانا من الشاي.. ويسأله عن صحته وبيته وولديه.. ولم يكن محمد نسيم يجيب إلا بإجابة واحدة.. ثابتة.. (الحمد لله يافندم) .. وعند الباب.. كان جمال عبدالناصر يحدد المهمة.. فيرد محمد نسيم بعبارة واحدة.. ثابتة.. (حاضر يافندم) .. لم يكن يسأل عن التفاصيل.. ولم يكن يسأل عن الامكانيات.. فقد تلقي الأمر.. وعليه التنفيذ.. (حاضر يافندم) .. كانت أول (حاضر) قالها لجمال عبدالناصر مباشرة في عام 1961 بعد الانفصال بين سوريا ومصر.. كان عليه السفر الى بيروت ليدير منطقة (المشرق العربي) من هناك.. وليواجه الآثار المترتبة على الانفصال وجمع ما تبعثر منها.. وبيروت كانت في ذلك الوقت محطة (ترانزيت) لمعظم أجهزة المخابرات.. وكان فندق (سان جورج) المكان المفضل لجواسيس الدنيا.. يحتسون القهوة السوداء ويديرون المؤامرات السوداء ضد زعيم كانت شعبيته في القمة.. والعداء له أيضا.. وكانت أولى العمليات التي وضعها في بيروت هي عملية اختطاف عبدالحميد السراج من سجن (المزة) أخطر السجون السورية وأكثرها إحكاما بعد أن قبض عليه قادة الانفصال بتهمة الايمان بجمال عبدالناصر والإعجاب به.. وقد تسلل محمد نسيم في ملابس أحد حراس السجن ودخل زنزانة عبدالحميد السراج ونجح في اخراجه حتى الأسوار ثم قفزا معا من ارتفاع كبير وسبحا ساعات طويلة حتى وصلا الى بر الأمان.. وبعد ساعات أخرى كان عبدالحميد السراج في بيروت.. وبعد أيام كان في القاهرة.. وقد عينه جمال عبدالناصر وزيرا للتأمينات الاجتماعية وكان مسئولا عن الأمن في سنوات الوحدة التي أعلنت في فبراير 1958. كانت الحرب السرية شرسة في بيروت.. خطف.. وقتل.. وشراء لذمة الصحف.. فحبر الكتابة كان يتلون هناك سياسيا حسب لون عملة (المصاري) .. وكان لمصر صحافة.. وكان لخصومها صحافة.. لكن القتال لم يكن على الورق فقط.. كان في الحواري والأزقة المظلمة أيضا.. وقد عرف محمد نسيم من مصادره ان هناك خطة لخطف ابنه الأكبر هشام وكان عمره لايزيد على 7 سنوات ويدرس في المدرسة الالمانية.. فلم يتردد في أن يعيد أسرته التي كانت تعيش معه في بيروت الى القاهرة. وسرعان ما اكتشف محمد نسيم خطة أخرى لقتله بوضع شحنة ناسفة في ماسورة عادم السيارة.. لقد تعود الحرص في كل خطواته وتصرفاته.. كان يفحص أبواب بيته ومكتبه قبل ان يمسك بالمفتاح.. كان يتأمل ملامح الذين يقدمون له الطعام وينظر في عيونهم طويلا ليلتقط أي اضطراب أو توتر.. كان يفتش سيارته في كل مرة يركبها قبل ان يديرها.. وقد أنقذه ذلك من الموت منفجرا محترقا في سيارته.. ولم يكن هذا النوع من الموت معروفا في مصر.. لكنه كان سيمفونية يومية في لبنان.. فلبنان تعرف الموضة في كل شئ.. الثياب.. المجوهرات.. الأفكار السياسية.. وطرق وأساليب الموت. ولابد ان تصدق محمد نسيم وهو يروي لك كل هذه الروايات التي لاتراها إلا في الأفلام.. فهو رجل نذر حياته للخطر.. والخطر علم مثل الطب والصيدلة والصحافة والهندسة يمكن دراسته والتفوق فيه.. ولكنه مثل أي علم آخر يجب ان يكون الانسان موهوبا بالطبيعة في التعامل معه.. مستعدا لترويضه واستئناسه والسيطرة عليه.. لهذا لايصلح الشعراء والأدباء ضباط مخابرات.. فأعصابهم خيوط من زجاج يسهل كسرها.. وانفعالاتهم مثل عملة بلا غطاء ذهبي يسهل وقوعها.. وألسنتهم تسبق عقولهم.. يتكلمون ثم يفكرون.. لذلك فالندم رفيق مثل الظل لايفارقهم. ولو رأيت محمد نسيم فسوف تصاب بصدمة فورية.. فهو لايبدو مثل رجال المخابرات الذين تراهم في أفلام جيمس بوند.. فلا هو يغمز بعينه لكل من يراها.. ولا هو يتكلم في طبق الشوربة ليتصل بالقيادة.. إنه عملاق أسمر نحيف.. يبدو مثلك ومثلي.. هادئ.. قادر على التركيز والسيطرة على ما في عقله.. ويمكن ان تتصوره طيارا أو موظفا في بنك أو سائق شاحنة أو مدرس تاريخ في مدرسة ثانوية.. فالمخابرات ليست لعبة من ألعاب الكاوبوي.. إنها لعبة ذكاء وأعصاب.. لذلك فآخر تعريف للجواسيس ورجال المخابرات هو أنهم أصحاب قداسة في بطريركية العقل.. وإن كانت أدوارهم قد تغيرت.. انتقلت من السياسة إلى السلع.. ومن الحصول على المعلومات الى تحليلها. وفي بيروت كذلك.. كاد محمد نسيم يتعرض لعملية اختطاف من بيروت ليصبح رهينة في يد خصوم جمال عبدالناصر ويجبروه على ان يهاجمه في احدى الاذاعات المعادية لمصر في ذلك الوقت.. وكان المكلف بالعملية شابا مصريا يعيش على العداء لبلاده.. وقرر محمد نسيم ان يأكله على الافطار قبل ان يتناوله هو على العشاء.. فكان ان اختطفه.. ووضعه في طائرة حملته الى القاهرة.. لكن.. هذه كانت الصفحة الأولى في كراسة محمد نسيم.. الكلمة الأولى في الجملة الوطنية التي صاغتها حياته.. وأتصور ان باقي الأوراق والكلمات والحروف تستحق منا الانتظار.