في (معركة الرسائل) بينه وبين الصادق المهدي الزعيم الشمالي السوداني وقع جون قرنق الزعيم الجنوبي في ذلك الخطأ القاتل الذي يعرفه جيدا من يحترفون فن الكتابة: خطأ الانفعال. وكانت النتيجة ان قرنق كشف دون ان يقصد عن شيء بشأن طبيعة اجندته الخفية المعادية للثقافة العربية الاسلامية. فقد شن قرنق هجوما مكشوفا على الثورة المهدية لم يوفر حتى شخص الامام محمد أحمد المهدي نفسه. و(معركة الرسائل) ربما تكون اسما اكبر من الحقيقة لان عدد الرسائل لا يتجاوز ـ حتى الان ـ ثلاثا: رسالة من المهدي ورد من قرنق ورسالة تعقيب على الرد من المهدي. وفي رده تعرض قرنق الى الامام محمد احمد المهدي قائد الثورة الاسلامية المهدية في سودان القرن التاسع عشر.. وجد الصادق المهدي. اتهم قرنق الامام المهدي بانه كان يكنز ثروة.. واتهمه بانه جمع الثروة هذه من تجارة الرقيق! وليس مهما او ذا بال ان معلومات قرنق التاريخية في هذا السياق خاطئة او صحيحة.. المهم هو المغزى الذي يمكن ان يستخلص ليس بمنظور الماضي والتاريخ وانما بمنظور الحاضر. والمغزى هو ما يتمثل في ملاحظة سبق ان ابداها الصادق المهدي بشأن ما تتبناه (الحركة الشعبية لتحرير السودان) من أجندة خفية يغلفها قرنق في عبارة (السودان الجديد) .. وهي عبارة بقدر ما تحمل من البهرج المعماري اللفظي بقدر ما تحمل من ابهام مقصود, يخفي بدوره نوايا شريرة مبيتة, والدليل البسيط والمباشر على ذلك هو ان قرنق يحرص أشد الحرص على عدم التوسع في شرح هذا الشعار بأي قدر من التفصيل. ولكن: ما علاقة ذلك بخروج الصادق المهدي و(حزب الامة) من (تجمع) المعارضة السودانية في الخارج.. او بالاحرى خروجه عليه؟ والاجابة هي ان الاجندة الخفية للحركة (الشعبية) هي التي تحدد رؤية قرنق للتجمع. وكما سبق ان شرحت في هذا المكان فان (السودان الجديد) , عنوان الأجندة الخفية, يعني اعادة خلق سودان يتم فيه تحجيم الثقافة العربية الاسلامية بتدابير قهرية. وعلى فرضية انتصار (الحركة الشعبية) عسكريا بصورة حاسمة ونهائية فان الحركة تكون في هذه الحالة رأس حربة لتجمع عنصري من اقليات الجنوب وجبال النوبة و(الانقسنا) يعمد بالقوة القهرية الى (تحرير) السلطة والثروة من ايدي الاغلبية المنتمية الى الثقافة العربية الاسلامية: يعني عملية تصحيح وتأديب في آن معا! بناء على هذه الاجندة فان التنظيمات الشمالية ذات الطبيعة الاسلامية السياسية سوف تكون في مقدمة الضحايا. وفي مقدمة المقدمة سوف تكون طائفتا (الانصار) و(الختمية) . من هنا ندرك ـ من وجهة نظر قرنق ـ الاهمية (التكتيكية) لوجود المهدي والميرغني داخل (التجمع) المعارض لاستغلالهما مرحليا لضرب نظام الجبهة الاسلامية.. توطئة لتصفية المهدي والميرغني كزعيمين لاكبر طائفتين دينيتين.. عند نهاية المطاف. ومغزى خروج المهدي من (التجمع) هو انه استطاع ان يحرر نفسه من اسار التفكير (التكتيكي) المرحلي الضيق ليدرك قضية السودان في اطارها الاستراتيجي الأشمل بعيد المدى.. ليدرك ان اجندة حركة قرنق ومن ورائها الولايات المتحدة ومنظمات مسيحية عالمية هي الخطر الاعظم الذي يتهدد بقاء ومصير الغالبية العربية الاسلامية في السودان تحت اسم خدعة اسمها (السودان الجديد) . والفارق هنا بين محمد عثمان الميرغني والصادق المهدي هو الفارق بين قصر النظر ونفاذ البصيرة.