بقلم: يوسف الشريف ترى ما هي الدوافع التي أملت على امريكا مؤخرا ممارسة ضغوطها على الدول المصدرة للنفط لزيادة الانتاج؟ لا شك أن مثلي وغيري كثر لا يفهمون الاسباب بدقة, اذ ان ضخ النفط وتحديد اسعاره في السوق العالمي عملية بالغة التعقيد لا يدرك ابعادها وأسرارها سوى الخبراء, لكن يظل اهتمام الحكومات والشعوب سواء في الدول المصدرة او المستهلكة للنفط قاصر على تأثير الزيادة والنقصان على اوضاعها الاقتصادية والحياة المعيشية ايجابا اما سلبا, وفي بعض الدول المصدرة للنفط, ظل نفوذ شركات البترول الاجنبية واضحا ونصب عينها تأمين استثماراتها الضخمة في هذه الصناعة وتحقيق اعلى ربحية ممكنة, مع الحرص على ان تظل خبراتها في هذا المجال الحيوي بعيدا عن متناول الايدي والعقول الوطنية, فلما شرعت حكومة الدكتور مصدق الى تأميم البترول في ايران, سرعان ما لعبت الشركات البريطانية لعبتها واسقطته من الداخل عبر عملائها وركائزها المحليين الذين سبق وجندتهم في طابورها الخامس للحفاظ على مصالحها وقت اللزوم, ومن ثم عاد نفوذ تلك الشركات اكثر قوة, مما كان عليه, والى حد تحركها وتحويلها لمشروع حلف بغداد, وغيرها من المشاريع الامبريالية المشبوهة كالرامية لاجهاض الروح الوطنية والقومية التي تأججت في المنطقة اثر اندلاع ثورة 23 يوليو 1952 في مصر, وانجاز الوحدة بينها وسوريا عام 1958. ويذكر التاريخ للزعيم جمال عبدالناصر كونه اول حاكم يفتح ابواب مصر للترحيب باستثمارات شركات البترول الامريكية, ولكن بعد اختياره فريق عمل من الخبراء المصريين الذين توافروا على وضع اول نموذج قانوني وفني للعقود التي ابرمت مع هذه الشركات, على النحو الذي يحقق مصالح الاقتصاد الوطني وتأمين السيادة الوطنية والالتزام بنقل خبراتها الى الكوادر المصرية وتدريبها على مختلف مراحل انتاج البترول, على ان حرب اكتوبر 1973 حفلت كما لم يتوقعه اي أحد من المراقبين بالعديد من التحولات الايجابية لصالح الاقتصاد العربي, عندما قرر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات وقف تصدير البترول الى الدول الغربية التي تدعم اسرائيل في عدائها على العرب, الامر الذي ادى الى رفع اسعار النفط تلقائيا, وجنى العرب بالتالي لعائداته اكثر سخاء, وتصاعدت قوتهم الاقتصادية الى مصاف المرتبة الثالثة بين القوى والتكتلات الاقتصادية العالمية, ومن هنا تغيرت نظرة الغرب للعربي, ووصفه برجل الجمل Caml man واستبداله برجل البترول Patrol man لكن امريكا وعت الدرس جيدا, واخذت اهبتها في التحرك سريعا حتى لا يتكرر الخطر الذي هدد آليات الغرب الصناعية والخدمية بالتوقف, وحرمان شعوبها من نعمة التدفئة في ذلك الشتاء الاسود من عام 1973. وقد تمثلت خطط امريكا الوقائية في ثلاثة اتجاهات, (الاول) بالاعتماد المباشر في معظم استهلاكها من النفط على الاستيراد من الخارج, بالتوازي مع تخرين احتياطات هائلة من الانتاج العالمي والمحلي, (الثاني) تبني استراتيجية تمكنها من تحديد نفوذها في المنطقة سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا, لتأمين تدفق النفط العربي الذي يمثل زهاء 80% من الاحتياطات العالمية, وهنا لا مفر في هذا السياق من النظر بدقة وعين الاستقراء للحقائق ولعدد من الظواهر السلبية التي اجتاحت المنطقة, وبينها استثمار الخلافات والمتناقضات العربية والاقليمية في تأجيج الصراعات المسلحة, عبر اندلاع الحرب العراقية الايرانية التي استنزفت عائداتها النفطية, ثم اجتياح العراق للكويت وما اسفر عنه من عودة الوجود العسكري البريطاني القديم في المنطقة, وتحقيق امريكا لحلمها الاثير في التواجد العسكري الى جوار منابع النفط العربي بدعوى حماية دول الخليج من عدوان صدام حسين, الامر الذي يفسر موقف امريكا وبريطانيا المتشدد ازاء استمرار العقوبات الدولية على العراق رغم المعاناة التي يكابدها بنحو وفاة عشرة آلاف من اطفاله شهريا, واستقالة اثنين من رؤساء لجنة الاغاثة التابعة للامم المتحدة مؤخرا احتجاجا على ما آلت اليه الاحوال الصحية والغذائية المزرية للشعب العراقي كونها ـ على حد تقديرهم ـ عملية ابادة, والادهى والامر ان يعزف وليم كوهين وزير الدفاع الامريكي بأن القوات الامريكية باقية في الخليج سواء التزم العراق بالقرارات الدولية ام زال حكم صدام حسين, (الثالث) الترويج لمقولة: بأن دور سلاح النفط في دعم قضايانا القومية المصيرية بات باطلا ومرفوضا بدعوى فشله في تحقيق اهدافه في تجربته الاولى عام 1973 والتمكين للدول المصدرة من استثمار العائدات في التنمية وشراء احتياجاتها الضرورية من السلاح والمعدات العسكرية لمواجهة التحديات التي تواجهها. بعد كل هذه الحقائق التي لم تعد تقبل الشك, من حق العرب اذن ان تدركهم الفطنة لاستخلاص دروس تجاربهم السابقة, واستكشاف ابعاد اللعبة الامريكية الجديدة, التي تستهدف اقناع دولهم المصدرة للنفط برفع القيود وتنحيه المحاذير التي تقنن لعملية الانتاج وفق معادلة العرض والطلب, واستبدالها بمعادلة متناقضة تدعو الى زيادة الانتاج للمحافظة على الارتفاع المضطرد للاسعار منذ النصف الثاني من العام الماضي بواقع 22 دولارا للبرميل, ثم واصل ارتفاعه الاسبوع الماضي الى 28.81 دولارا, في الوقت الذي اسفرت اخر اجتماعات منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) عن اتفاق تثبيت سعر البرميل من النفط الامريكي الخام الى مستوى 31 دولارا, واذا كانت امريكا قد المحت في سياق ممارستها للضغوط عزمها على تدفق ما لديها من احتياطي نفط الى السوق الدولي, الا انها تراجعت عن هذا التهديد سريعا وفضلت خيار الحوار والاقناع بضرورة تجنب تذبذب ارتفاع اسعار النفط ثلاثة اضعاف وانعكاساتها الضارة بالنمو الاقتصادي العالمي! على انه بالرغم من الاجتماع الذي دعت اليه امريكا السعودية وفنزويلا والمكسيك للاتفاق على زيادة الانتاج من النفط دون تحديد سقف الزيادة, وجولة ريتشارلد سون وزير الطاقة الامريكي في الشرق الاوسط مؤخرا لاجراء مباحثات بشأن الازمة المثارة حول اسعار النفط, الا ان قبول العرب صراحة حتى الآن بصيغة زيادة انتاج النفط وكمياته لم تقطع بيقين, في انتظار التشاور الموسع حول هذا الموضع في اجتماع دول الاوبك المرتقب في 28 مارس الجاري, للاتفاق حول زيادة الانتاج العالمي من النفط الى مليون برميل يوميا تلبية للمطالب الامريكية او رفضها او تعديلها, الامر الذي يؤكد على الفاعلية التي اكتسبها الاوبك مؤخرا في التماسك ازاء توحد وانسجام قراراتها عندما اخذت في الاعتبار مصالح الدول الاعضاء اولا, بعد فترة طويلة ظلت امريكا خلالها تحقق المصالح الغربية عبر المفاوضات الثنائية مع الدول المصدرة للنفط, لكن وفي كل الاحوال بات من المتعين التنسيق بين الدول العربية النفطية قبل واثناء انعقاد اجتماع الاوبك, لتدارك الوقوع في شراك زيادة ضخ البترول وخفض اسعاره, ونقص عائدتها بالتالي, وانعكاساتها السلبية على اوضاعها الاقتصادية والتنموية والمعيشية.