الرئيس يزور توقيعات الناخبين، بقلم د. طلعت شاهين

الديمقراطية ليست نظاما متكاملا لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه كما يحاول البعض أن يصوره لنا, ولكنها نظام يحتاج إلى عوامل مساعدة كثيرة, لعل أبرزها أنها كنظام سياسي يجب أن يتم تطبيقها في إطار وجود أحزاب لها برامجها المعلنة والمعروفة, تطرح مشاكل الوطن وحلولها الواقعية الممكنة بعيدا عن الحلول الوهمية والممارسات الديماجوجية, ووجود شعب على درجة كبيرة من الوعي, يفرق بين برامج تلك الأحزاب المتصارعة على استمالته والحصول على صوته وتأييده الانتخابي, شعب يعي مدى تطابق تلك البرامج مع الواقع ومفهومه الخاص بمعرفته بحقوقه وواجباته. شعب يفهم الفارق ما بين امتلاك المال في جيبه الخاص, و ما بين حصوله على الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم, بغض النظر عن إمكانية الحصول على تلك الخدمات بما يملك من أموال, لأن الأساس في تلك الخدمات توفرها للجميع بغض النظر عن القدرة الشرائية لأية طبقة من طبقات الشعب. شعب يعرف الفارق ما بين امتلاك هذه الخدمات وحدها, وامتلاك تلك الخدمات مع الحرية في التعبير عن رأيه في كل ما يجري من حوله, لذلك لابد من وجود وسائل إعلام حرة واعية تمثل سلطة الرقابة على النظام السياسي, لذلك يجب أن تكون تلك الوسائل الإعلامية بعيدة بقدر الإمكان عن سيطرة من يجلس على مقعد السلطة, لأن جلوسه هناك مؤقت, ويمكن أن ينتهي في أية لحظة يرى الشعب فيها أنه تجاوز حدوده ولا بد له من الذهاب وترك الفرصة للتناوب على السلطة مع الأحزاب الأخرى, لكن هذا لا يعني أن تكون تلك الوسائل الإعلامية في صف العداء للنظام السياسي, بل يجب أن تقدم رؤية مختلفة تحقق الممارسة الكاملة والحرة للحقوق والوجبات , تؤيد ما يخدم الشعب والوطن وتنتقد ما تراه تجاوزا في ممارسة السلطة, بل يجب أن تمتد رؤيتها الانتقادية إلى الأحزاب المعارضة أيضا. لكل هذا, لا يمكن المقارنة مثلا بين تطبيق الديمقراطية في بلاد مثل أوروبا الغربية والولايات المتحدة التي تمتلك أحزابا لها تقاليدها وبرامجها المعروفة, وتحظى بقبول بين الناخبين الذين يصوتون لصالحها في كل انتخابات, ويمكن أن يتخلوا عنها لو أنها تراجعت عن وعودها الانتخابية, وبين تطبيق الديمقراطية في بلاد من تلك التي لا تزال تنتمي إلى العالم المتخلف المسمى بالعالم الثالث, بلاد لم تعرف سوى الحاكم الفرد, لا تملك أحزابا لها قواعد شعبية, أكثر من نصف سكانها لا يجيدون القراءة والكتابة, ولا يملكون الوسائل المادية الكافية التي تمكنهم من تكوين رأي صحيح عن ما يطرحه المرشح الفرد من برنامج , ولا وسائل الإعلام الحرة التي تلعب دورها المنوط بها. لذلك عند تطبيق الديمقراطية في بلاد تفتقد إلى المناخ الديمقراطي الحقيقي, يمكن لأي فرد أن يصل إلى كرسي السلطة مستخدما الديماجوجية والشعارات الكاذبة, بل يمكن لهذا الفرد بتجاوزاته أن يكسر كل القواعد المعمول بها والتي سمحت له بالوصول إلى ما وصل إليه, أي يستخدم أدوات الديمقراطية في تدمير الديمقراطية نفسها. هذا النموذج ليس من صنع الخيال, بل هو نموذج موجود, ووجوده متكرر في أيامنا هذه, وربما تفردت دول أمريكا اللاتينية في صنع هذا النموذج الفرد (الدكتاتور الديمقراطي) الذي وصل إلى الحكم مستخدما الديمقراطية وشعاراتها ليتحول بعد ذلك إلى (دكتاتور) فرد, ولا يقل في تسلطه عن (الدكتاتور) العسكري التقليدي الذي عرفته معظم دول العالم المتخلف خلال القرن العشرين, ولكن الفارق أن هؤلاء وصولوا إلى السلطة باسم الديمقراطية وشعاراتها, وأولئك وصلوا إلى السلطة من خلال انقلابات عسكرية دموية. حدث هذا النموذج في الأرجنتين منذ وقت قليل, والذي كان الرئيس كارلوس منعم ممثلا حقيقيا له, فقد تحايل على الشعب والدستور, فكان أول رئيس يبقى في الحكم لفترتين متتاليتين, على الرغم من نص الدستور على فترة رئاسية واحدة, لأن الحظ حالفه على المستوى الاقتصادي فتحقق تقدم ملموس خلال فترة رئاسته الأولى, وان كان هذا التحسن الاقتصادي كان له علاقة بالتحسن في الاقتصاد الدولي أكثر من علاقته بإدارة كارلوس منعم لاقتصاد بلاده, فتحايل على الشعب لتغيير الدستور, بل أراد أن يبقى لفترة ثالثة لكنه لم يفلح بسبب أخطائه الخاصة في ممارسة الحكم خلال الفترة الثانية التي تخلى فيها عنه الحظ, فشهد أكبر عملية كساد في الاقتصاد الأرجنتيني نتيجة لأزمة العملة البرازيلية التي كانت بدورها نتيجة لأزمة النمور الآسيوية, مما دفع الشعب إلى استخدام ما تبقى له من أدوات الديمقراطية لإزاحته عن السلطة, والتخلص منه, وربما كانت هذه الفضيلة الوحيدة من فضائل الممارسة الديمقراطية في الأرجنتين بعد التخلص من الحكم الدكتاتوري العسكري. لكن يبدو أن الرئيس ألبيرتو فوجيموري رئيس البيرو قرر أن يتفوق على كارلوس منعم في البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة باسم الديمقراطية, فقد وصلها على رؤوس الجماهير عندما كان مهندسا زراعيا مغمورا, مستخدما في الإقناع الديماجوجية والشعارات الكاذبة, وقبل أن تنتهي فترته الأولى عاد إلى الديماجوجية من جديد وطالب بخمس سنوات تالية, على الرغم من أن الدستور لا يسمح سوى بفترة رئاسية واحدة, لكي يتمكن فيها من (ترتيب الأوضاع) في الاقتصاد الوطني, لأن خمس سنوات لم تكن كافية ـ على حد قوله ـ لتنفيذ برامج يقول إنها (طويلة الأمد) . انتهت السنوات الخمس الثانية, أي بقي في الحكم عشر سنوات ولم يحدث التحسن المطلوب في الاقتصاد الوطني, ولم يحقق النتائج التي ادعى أنه قادر على تحقيقها, بل على العكس من ذلك, انتشر الفساد وازدادت حدة البطالة , وتحول رأس المال الأجنبي إلى سلطة موازية للسلطة الوطنية, وعاد العسكريون إلى الواجهة من جديد بعد أن استعان بهم فوجيموري في التخلص من معارضيه باسم (مكافحة الإرهاب) . عندما لجأت الأحزاب المعارضة ـ التي بقي لها شيء من عمليات إرهابها ـ إلى الدستور والمطالبة بالحفاظ على (الممارسة الديمقراطية) لتمنعه من الترشيح لفترة رئاسية ثالثة, قرر الرئيس ألبيرتو فوجيموري اللجوء إلى الدستور نفسه, بل ولقواعد الممارسة الديمقراطية للبقاء في الحكم لخمس سنوات تالية. قدم عملاء الرئيس فوجيموري من رجال القانون تفسيرات عدة يمكن من خلالها منحه الحق في الترشيح لفترة ثالثة, وذلك باستخدام التوقيعات الشعبية التي يتم جمعها في الشارع للمطالبة بتعديل قواعد اللعبة الديمقراطية لصالح الرئيس. نجح عملاء الرئيس فوجيموري وأصحاب المصلحة من بقائه في السلطة إلى استخدام الجهل بالقراءة والكتابة المتفشي بين الفلاحين والهنود الحمر المنعزلين في الجبال الوعرة, وحصلوا على توقيعاتهم لإعادة انتخاب رئيس دولة لا يعرفون عنها سوى الجيش الذي يقتحم قراهم من آن لآخر, ويحرق ويدمر ما يملكون تحت شعار مكافحة الإرهاب , انتخاب رئيس لم يروه في حياتهم, بل ان بعضهم لم يسمع عنه, ولا يعرفون حتى أين يقع القصر الذي يسكنه الرئيس. تم جمع ما يقرب من ستمئة ألف توقيع تسمح للرئيس بالترشيح دستوريا. لكن إمعانا في امتهان دستور البلاد والديمقراطية قرر عملاء الرئيس فوجيموري أن يصل عدد الموقعين على عريضة المطالبة بإعادة ترشيحه إلى أكثر من مليون توقيع, وبما أن الحصول على مليون توقيع من خلال الخداع مسألة ليست سهلة وتحتاج إلى وقت, استخدموا التزوير, وذلك من خلال استخدام أرشيفات الحكومة للحصول على أرقام هويات المسجلين في قوائم الانتخابات وتزوير توقيعاتهم. كان يمكن أن يتم تمرير التوقيعات والموافقة على ترشيح الرئيس فوجيموري لفترة ثالثة, لأن الشكل صحيح دستوريا, على الرغم من أنه (موضوعيا) يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون, ولا يصح أن يحدث من رجل يريد أن (يخدم) الوطن بالتضحية بخمس سنوات من حياته جالسا على كرسي أعلى سلطة في البلاد, مهمته الأولى الحرص على سلامة الوطن من خلال التطبيق الصحيح للقانون. لكن بقي من الديمقراطية بعض الممارسات التي تجعلها نظاما أفضل من غيرها من الأنظمة, والتي يمكن استخدامها أيضا لتصحيح بعض التجاوزات, وليست كلها, فقد اكتشفت إحدى الصحف واقعة التزوير من خلال اعترافات بعض الذين قاموا بها, وتأكد التزوير بعد أن تبين أن بعض الذين تم تزوير توقيعاتهم لم يوقعوا , ولا يمكن أن يوقعوا, أو حتى يطالبوا بإعادة ترشيح الرئيس , لأن هذا أمر لا يهمهم في كثير أو قليل, لأنهم ببساطة لم يعودوا على قيد الحياة, ماتوا بعد الانتخابات الأخيرة, ولم ينتبه المزورون إلى أن المسجلين في جداول الانتخاب يمكن أن يأخذهم الموت إلى العالم الآخر قبل أن تأتي الانتخابات الجديدة. لكن الرئيس فوجيموري بدلا من الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه بالتخلي عن تحقيق هدفه, أصبح أكثر إصرارا على المضي في طريقه, ولا يقبل سوى البقاء في السلطة إلى ما شاء له اللعب بالدستور والديمقراطية, فقرر التخلي عن الذين دفعهم إلى تزوير التوقيعات, وأعلن أنه لا علاقة له بهم, بل إنه أكد أنه لا يعرف هؤلاء الذين يجمعون التوقيعات لصالح إعادة ترشيحه, مع أن العلاقة واضحة, لأنه لا يوجد من يقوم بحملة لحساب الرئيس مجانا وابتغاء لوجه الله والوطن, فقد انتهى عهد الإيمان بالعقائد أو الأفراد والتضحية من أجلهم. بل زاد الرئيس فوجيموري على ذلك باللجوء إلى أصدقائه من أصحاب القنوات التلفزيونية الخاصة, الذين حصلوا منه على حق البث في البلاد مقابل دعمه إعلاميا , لاتهام الصحيفة التي كشفت التزوير بأنها عميلة ومدعومة من الخارج, وهو اتهام قديم لا تعرفه إلا الدول المتخلفة, ولا يزال قائما, ويمكن توجيهه إلى كل من يحاول لعب دور المعارضة, لأنه أسهل اتهام في عالم متخلف, خاصة إذا كانت السلطة تملك الأدوات الإعلامية التي يمكنها أن تنشر وتذيع هذا الاتهام بين شعب جاهل ومتخلف. باق على الزمن الانتخابي اقل من شهر, والرئيس فوجيموري يرفض الاعتراف بجريمة التزوير, و لا يزال مصرا على البقاء رئيسا للبيرو رغما عن الشعب والدستور والقانون.

تعليقات

تعليقات