بقلم: هشام بدوي قضية الهوية بأبعادها وتشعباتها المتشابكة قضية محورية في الفكر العربي المعاصر, ولكن التغييرات الفكرية والسياسية التي تموج بها المنطقة, والأطروحات الجديدة المغايرة لمفهوم الهوية الذي ساد بها تقليديا, يجعل من الموضوع بجدلياته المعقدة تحديا خطيرا يواجه المنطقة ومفكريها خلال الربع الأول من قرننا المقبل. إلا ان أهمية الموضوع لا تعني انحصار الهم العربي المستقبلي فيه وحسب, فهناك العديد من المشاكل الملحة الأخرى, ولكن مشكلة الهوية تحديدا تحتل موقعا مميزا بين كافة المشاكل العربية الأساسية الراهنة والمستقبلية. فاتفاق النخبة الثقافية باتجاهاتها المتباينة على مسلمات أساسية واسعة النطاق في هذا الموضوع يهيئ أرضية خصبة للانطلاق إلى آفاق أوسع في بحثنا عن اجابات للتحديات الأخرى التي تواجهنا. كما انه سيفرغ جزءًا كبيراً من الطاقات الفكرية والمادية المستنفذة في التعامل مع هذه القضية للتصدي لغيرها من المشاكل. بل الأكثر أهمية ان حسم قضية الهوية في التفكير العربي المعاصر سيضفي على منهجية السلوك المستقبلي في تعاملنا البيني وتفهمنا للآخر درجة أعلى من الرشادة, تمكننا من وضع الأمور في نصابها الصحيح وتقليص الطاقات المهدورة. بين الأحادية والتعدد: ان الدراسة المتأنية والمحايدة لطبيعة الانتماءات السائدة لدى التجمعات البشرية المقيمة في منطقة الشرق الاوسط, تكشف لنا مبدئياً عن تعدد وتداخل أشكال الانتماء لديها. فالتاريخ القديم والحديث لسكان المنطقة ينبئنا بالتغيير والتباين في مفهوم الهوية الشائعة لديهم, بل يكشف عن ازدواجية ملحوظة في طبيعة الهوية السائدة في اي لحظة تاريخية, بما يفجره ذلك من صراعات على مستوى الذات الفردية والنهج الجماعي. ولا يرجع هذا الصراع الناجم عن تعدد الهويات الى أخطاء في المفهوم ـ نظرياً أو عملياً ـ في حد ذاته, وانما مرجعه صراع دائم بين فكرة تعدد الهويات وأنصار الهوية الواحدة أو أحادية الهوية. المنطلق الفكري لمنظري احادية الهوية بتياراتهم السياسية المتباينة هو ضمان الأحادية لتحقق الولاء لجهة حاكمة محددة المعالم والتقسيمات, ومن ثم اتاحة الفرصة للسلطة للقيام بعمليات حشد جماهيري واسعة النطاق بالاعتماد على المشاعر المتفجرة نتيجة الخطاب الاعلامي والسياسي المكثف حول الهوية, لتمتلك السلطة بذلك قوة فعل ضخمة تمكنها من تحقيق برنامجها السياسي بجوانبه المختلفة. كما ان أحادية الهوية لدى قطاع عريض من منظريها ضمانة راسخة لتشكيل سد مانع للحيلولة دون اختراق الآخر لنا, فالتميز الواضح والقاطع بيننا (نحن) وبينهم (هم) يعد ترياقاً تلقائياً لما يعتقد بأنه سعي (الآخر) لصياغتنا على شاكلته والقضاء على تميزنا وتفردنا. مقابل هذه الاحادية يطرح مفهوم (تعدد الهويات) على المستوى الفردي والجماعي كبديل اكثر واقعية واتساقاً مع الطبيعة الانسانية والتطورات الفكرية والتكنولوجية لهذا العصر, الا ان مفهوم تعدد الهويات بمفرده لا يعد مفهوماً نظرياً متكاملاً, بل ربما فجر في مجال التطبيق الواقعي مشاكل اكثر تعقيداً مما نتصور, فالهويات المتعددة في حاجة الى الاعتماد على وسيلة اخرى لضبط التناقضات التي يخلقها التعدد, وربما يضمن التعايش واللقاء بين هذه الهويات, بل والوحدة والانسجام بين اتباعها المختلفين, ومن هنا تحديداً تبرز حاجتنا الماسة لمفهوم (توازن الهويات) باعتباره الضامن الأساسي لحصر تناقضات التعدد في حدها الأدنى وبما يحول دون انفجارها الى شظايا قاتلة, كما ان التوازن يضمن لنا التفاعل العقلاني للعناصر المختلفة المكونة لهذه الهويات داخلياً وفيما بينها, وبما يولد طاقة بمثابة قوة الدفع والمحرك الدائم لحركة المجتمع, ليمكننا النظر الى الانجازات في نهاية المطاف بوصفها التعبير الطبيعي لمقومات الكيان المجتمعي وبما يحويه من تعددية. توازن الهويات يعد تعبير التوازن من أكثر التعبيرات شيوعاً واستخداماً في العلوم الطبيعية والاجتماعية على حد سواء, الا ان هذا الشيوع واتساع نطاق الاستخدام وتنوع المستخدمين ادى الى التباس واضح في المفهوم وغياب تعريف جامع مانع له نظراً لاستخدامه في كل مجال علمي بمعنى يتناسب والاطار المعرفي لمسلمات هذا الفرع من فروع المعرفة الانسانية. وبالعودة الى العلوم الطبيعية وتحديداً علم الفيزياء فإننا سنجد الذرة في حالة من (التعادل) الكهربائي عند تساوي اعداد الالكترونات والبروتونات فيها, بيد ان تعادل الذرة لا يعني انها في حالة (توازن) مستقر والذي يتحقق فقط باستكمال مدارها الخارجي بعدد من الالكترونات اللازمة لملئه, ويدفع هذا بالبعض الى تعريف التوازن باعتباره مرادفاً للاستقرار فالجسم في حالة توازن اذا ظل مستقراً سواء في حالة السكون او الحركة. وبذلك يكون مفهوم التوازن عبارة عن توصيف لحالة تعادلية ـ تنبع من الآليات الداخلية للجسم ذاته ـ بين عدة قوى متضادة, بينها قدرة على الترابط, تؤدي الى استقرارها, بيد ان هذا المفهوم يقصر ذاته على الاعتبارات الداخلية متجاهلاً فعل القوى الخارجية في تأثيرها على دعم التوازن او الاخلال به. ونظراً لأن مفهوم التوازن الذي نحن بصدده يرتبط اساساً بمفاهيم اجتماعية وأعني (توازن الهويات) فأعتقد انه من الأجدى لنا ان نعرف التوازن باعتباره مرادفاً للاعتماد المتبادل بين الظواهر او الجوانب المختلفة للظاهرة الواحدة, سواء كان الاعتماد المتبادل سكونياً اي ان وجود ظاهرة محددة يؤدي الى وجود ظاهرة اخرى (السكن في حي ما يدفع الى الانتماء التلقائي للتنظيم المشرف على تنظيم الحي) أو أن يكون الاعتماد المتبادل حركياً بمعنى ان وجود اي تغير او تفاعل في ظاهرة معينة يؤدي الى تغير ظواهر اخرى, ومن هنا فإن التوازن الذي نعنيه في هذا السياق هو اقامة علاقات محددة من الاعتماد المتبادل المتكافئ بين الاجزاء المختلفة للنسق الاجتماعي تؤدي الى انتظام حركة النسق ذاته, بحيث لا يمكن تصور حدوث التوازن خارج اطار هذه العلاقات المحددة, او في ظل غياب علاقات ترابط تلقائية بين الاوجه المتباينة لتعدد الهويات. ضوابط سياسية وبهذا فإن مفهوم توازن الهويات لا يقف عند حدود ضرورة الأخذ في الاعتبار فقط وجود هويات قومية ودينية اخرى مشاركة لسكان المنطقة من العرب المسلمين في هذه المساحة من الأرض, حيث تتداخل هويات سكان المنطقة وتتشابك وتتلاحم بطريقة يصعب فصلها ان لم يستحل دون عملية اقصاء وبتر مؤلمة للأغلبية والأقلية على حد سواء, فقد اوجد هذا التداخل والتعدد ولفترات زمنية طويلة وضعاً من الاعتماد المتبادل التلقائي وان كان يبدو وكأنه قد ينتفي فيه التكافؤ في اللحظة التاريخية الراهنة (الاكراد والعرب في العراق) (البربر والعرب في الشمال الافريقي) (الزنوج والعرب من أهل السودان) . واذا كانت الادبيات الحديثة للقوميين العرب لا تنفي تمازج هذه القوميات مع القومية العربية وتعلن صعوبة الاستمرار في تبني المنهج التقليدي الذي يحصر هوية المنطقة في هوية احادية الا وهي الهوية العربية, فإن القوميين الجدد يقرون باعتمادهم مبدأ المساواة القومية ومن ثم حقوق المواطنة اساساً لعلاقات التعددية التي يقرها الواقع, الا انهم ومع ادراكهم مدى النجاحات التي حققتها الليبرالية السياسية في السنوات الاخيرة من القرن العشرين, فإنهم يبررون بعض اخطائهم في هذا المجال باحتياجات مرحلة تاريخية سابقة ويدعون الآن الى مناقشة قضية الهوية العربية من منطلق ديمقراطي, ولكنه للأسف قد يكون منطقاً شكلياً بالنسبة للبعض, فالعرب لديهم يمثلون الغالبية العظمى لسكان المنطقة ومن ثم فالمساواة في الحقوق المدنية والسياسية, المادي فيها والمعنوي, لا ينفي المبدأ المعمول به في النظم الديمقراطية من ان تكون السلطة في يد الاغلبية وان تظل حقوق الاقلية مصانة ومحفوظة. فالمواطنة التي ترتبط بالأساس بمفهوم الهوية الوطنية أو القومية تعتمد على دعامتين أساسيتين ألا وهما المساواة والمشاركة الحقيقية في السلطة وليس فقط المساواة, فتبني النهج أحادي الهوية سواء كانت عربية او زنجية او كردية أو بربرية قد يدفعنا حتما الى الانتقاص من مواطنة قطاعات عريضة من سكان المنطقة واخراجهم من نطاق القوى الفاعلة في تنمية المجتمع, فمصطلح الاغلبية والاقلية مشروط بأن يكون له مضمون سياسي يسمح بامكانية تحول الواحد منهما الى الآخر اي بامكانية تداول السلطة. ان الاقرار بتعدد القوميات المقيمة في المنطقة وتنوع مشاعر الهوية والولاء لدى الفرد والجماعة البشرية في آن واحد لا ينفي استمرار الخلل في رؤيتهم لسبل صياغة علاقة شراكة انسانية اجتماعية وسياسية مثلى مع الآخر, ومرجع القصور هو غياب مفهوم (توازن الهويات) في نظرتهم للتعامل مع الذات والآخر. ان الامتداد الطبيعي والتلقائي لحصر الجماعة في مفهوم احادي للهوية ونفي الآخر هو تضييق الرقعة الانسانية واستلاب الذات وحصرها ايضاً في نمط الهوية الاحادية, وهو ما يتناقض مع طبيعة الانسان المعاصر الذي لا يمكن حصره في هوية واحدة بل هو متعدد ومتداخل الهويات, وتفوق احدها على الأخريات في لحظة تاريخية محددة من حياته لا يعني ديمومتها او سرماديتها. بل ان احد ملامح المستقبل التي ستواجهنا هي تقلص مفهوم المركزية بما يتضمنه ذلك من تراجع لمفهوم الهوية الاحادية لصالح أفكار اللامركزية, وبما يتضمنه ذلك من تنوع الهويات في المجتمع الواحد وداخل الفرد الواحد. بيد ان الاختيار الحر الواعي للهوية يتطلب توفر مناخ حقيقي وواسع من الحريات السياسية والمدنية, يتاح بموجبه لكافة الاجزاء المختلفة والمتصارعة داخل الجماعة الواحدة طرح تصوراتها الخاصة بأولويات الانتماء, ومن ثم فإن احد مظاهر التناقض الرئيسية خلال العقود الثلاثة المقبلة من القرن الحادي والعشرين ستكون اشتعال حدة الصراع بين أنصار السلطوية السياسية الذين يتشبثون بسيطرة الدولة وحزب (الاغلبية) وهم بحكم تفكيرهم وانتمائهم العقائدي احادي الهوية, وبين أنصار التعددية السياسية والفكرية ومن ثم تعدد الهوية بطبيعة الحال, بيد ان عجز التنظيمات السياسية التقليدية في استيعاب الاجيال الشابة, وتصاعد نفور الشباب من القيم الاجتماعية التقليدية لمفهوم الطاعة والولاء, والنمو المتزايد للمنظمات غير الحكومية والجماعات الاهلية يمثل تباشير اولية لتبلور مؤسسات ذات مفاهيم ثقافية جديدة تتبنى تعدد الهويات وتوازنها كإطار معرفي مشروع للجماعة الوطنية ككل. معنى الحياة ان الهوية باعتبارها المدخل الطبيعي لقضية أعمق الا وهي بحث الانسان عن معنى لحياته, ليضفي على سنوات العمر قداسة واحتراماً عند خدمة الذات والآخر يجعل من فهمها العميق معضلة ضرورية في عالم تتدهور فيه القيم التقليدية بمعدلات فائقة السرعة دون ان يحدث قبول او اتفاق عام بعد على مجموعة قيم جديدة محددة لسلوك الفرد او الجماعة. ان العجز الراهن للمجتمع المدني بكل مؤسساته في استيعاب المشاكل الواقعية التي تجابه الاجيال الشابة بأفق فكري منفتح وبنظرة عصرية متوازنة, مرجعه الى التناقض القائم بين مفاهيم أحادية الهوية المروج لها في الخطاب الاعلامي والسياسي العربي في الوقت الراهن, بينما يؤكد النهج الاقتصادي والتطور التكنولوجي العالمي السريع عدم مصداقية هذا الخطاب السياسي او الاعلامي. وان السخط السائد لدى قطاعات عريضة من الشباب العربي والانسحاب من الشأن العام نحو القضايا الشخصية, أو التعامل مع الشأن العام باعتباره ساحة لعمل سياسي عنيف مضاد للدولة والمجتمع يتطلب التصدي لهذه الظاهرة السلبية والخطيرة على تطور المجتمع وتقدمه, والعمل على ضمان بقاء التلاحم الاجتماعي باعتباره الشرط الضروري لبقاء المجتمع ذاته, وان فتح الافاق الفكرية بشكل اوسع واكثر رحابة سيضع الأمور في موضعها الصحيح وسيقلص من حدة الاعتقاد بأحادية الهوية, وما يترتب عليها من جبروت السلطة وتهميش الآخر او تجاهله, وبما يسمح بتعدد مشروع لهويات متنوعة تتقاسم الفرد والجماعة ليصبح توازنها ملاذاً طبيعياً يحمي الجميع من مخاطر احتكار الانتماء والحقيقة.