بقلم د. تيسير الناشف الحضارة, حسب أحد التعريفات هي (ثقافة متقدمة) ويمكن تعريف الثقافة أيضا بأنها جميع أشكال التفكير والسلوك والانتاج التي تتناقل من جيل واحد إلى الجيل التالي بواسطة التفاعل الاتصالي ـ أي بواسطة الخطاب والايماءات والكتابة والبناء وجميع (أشكال) الكلام عن الحضارة يجب التمييز بين الانتماء إلى الحضارة والعيش في ظل هذه الحضارة, ويمكن لمرء أو شعب ان يعيش في ظل حضارة معينة دون ان يكون منتميا إليها أو جزءاً منها, ومن معاني العيش في ظل شيء التأثر به واداء الدور السلبي فيه, ومن معاني الانتماء إلى شيء التفاعل معه, ويتجسد هذا التفاعل في التأثر فيه, والمشاركة في نشوئه وتطوره, ولا يتضمن مفهوم العيش في ظل شيء التفاعل معه تأثرا وتأثيرا. توجد حضارة علمية وتكنولوجية عربية مهيمنة, وفي الحقيقة ان الحضارة التي يعيش البشر في ظلها في الوقت الحاضر ليست الحضارة العلمية والتكنولوجية فحسب, ولكنها أيضا الحضارة المتسمة بالطابع الكوني, وبسرعة نقل المعلومات الكثيرة عبر الشبكة الدولية, وبالغلو في الاستهلاك, وبسيطرة الشركات عبر الوطنية المتعددة الجنسيات. وتعطي هذه السمات الثقافية والحضارية القوة والهيمنة للجهات التي تحسن استعمالها وتعرف كيف تسخرها خدمة لأغراضها. ومن المشاهد ان الجهات الغربية تسخر هذه الظواهر الحضارية نهوضا بمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية, ولم تقطع الشعوب العربية, وسائر شعوب العالم النامي, شوطا طويلا من تسخير هذه الظواهر لخدمة أغراضها الاقتصادية والقومية والاستراتيجية. وتعيش شعوب كثيرة منها الشعب العربي, في ظل هذه الحضارة, ولا يقبل كثيرون من أبناء الحضارات العريقة, ومنهم أبناء الحضارة العربية الاسلامية, ومن المثقفين الواعين ومن أصحاب الحس القومي ان يعيشوا بسلبية في ظل حضارة غير حضارتهم, انهم محقون في رفضهم لأن يكونوا في الظل, ويريدون ان ينتقلوا إلى دائرة الضوء الحضاري, وان تنتقل شعوبهم إلى دائرة الفعل في مضمار العطاء الحضاري العالمي. ووجود حضارة علمية وتكنولوجية مهيمنة لا يمنع طبعا وجود حضارات متميزة لكثير من الشعوب, حضارات تحمل خصائص تلك الشعوب, وفي الحقيقة ان أوروبا ليست المصدر الوحيد للحضارة العلمية والتكنولوجية, فالثورة العلمية والتكنولوجية نتاج تطور انساني دام قرونا كثيرة, وقد أسهمت في هذا التطور شعوب ذات حضارات آسيوية وافريقية وغيرها. ولدى كثيرين من الغربيين نزعة إلى انكار دور الحضارات غير الأوروبية في نشوء وتطور الحضارة العلمية والتكنولوجية كما نعرفها اليوم, وقد بذلت محاولات غربية كثيرة ومنتظمة لطمس الأثر الحضاري غير الغربي في الحضارة الأوروبية, غير ان بعض الدارسين الغربيين وضعوا دراسات اقرت بالأثر الحضاري غير الغربي الايجابي في الحضارة الأوروبية, ومن هؤلاء (برتال) مؤلف كتاب (أثينا السوداء الأصول الأفريقية الآسيوية للحضارة الغربية) . ويجدر بالشعوب غير الغربية ان تدرس تاريخ نشوء الحضارات الأوروبية والأفريقية والآسيوية والأمريكية الأصيلة, وان تدرس تاريخ التفاعل على الدارسين الحريصين على الكشف عن الحقيقة التاريخية ان يتعمقوا في دراسة تاريخ نشوء الحضارات وتطورها والتأثر والتأثير بينها, وهذه الدراسة أمر على جانب كبير من الأهمية بالنسبة إلى الشعوب النامية التي تصورها جهات غربية على صورة الشعوب التي ليس لها أي اسهام في الحضارة العالمية. لقد أسهمت الحضارة العربية الاسلامية في عهد ازدهارها في نشوء الحضارة الأوروبية اسهاما كبيرا, وعلى سبيل المثال, فإن اللغة العربية بصرفها ونحوها وأوزان أفعالها وأسمائها منجز حضاري عظيم بكل المقاييس, وقد استفاد الأوروبيون وهم يضعون لبنات الحضارة الأوروبية من أصول وقواعد التفكير العلمي والفلسفي ومن المناهج التجريبية التي طورها العلماء العرب والمسلمون, وأسهمت أيضا المنجزات الفلسفية والعلمية والتكنولوجية التي حققتها الحضارات الهندوسية والصينية والمصرية القديمة والآشورية والكنعانية والفينيقية اسهاما كبيرا, عن طرق منها طريق الحضارية العربية الاسلامية, في التطور العلمي والفلسفي والتكنولوجي للحضارة الأوروبية, وكان للحضارة العربية الاسلامية أثر هام جدا في أوروبا القرون الوسطى عن طريق اسبانيا والبرتغال وفرنسا وايطاليا وصقلية, وعن طريق الحضور العثماني نقلت أيضا الحضارة العربية الاسلامية إلى أوروبا الشرقية والوسطى, وكان للحضارة المصرية القديمة اثر كبير في الفكر الديني والفلسفي والعلمي اليوناني القديم.