بقلم: د. مصطفى النجار يقصد بكلمة التوطين لغويا معنى: الأقلمة والتطويع والتكيف والتوفيق. ولقد استعملت كلمة التوطين في مجالات وعلوم كثيرة, وقد استخدمت لأول مرة عبارة توطين الخدمة الاجتماعية في سنة 1971م بالدراسة التي قامت بها هيئة الأمم المتحدة عن برامج تعليم وتدريس مهنة الخدمة الاجتماعية في دول عديدة بالعالم. ولقد عرفت هذه الدراسة توطين الخدمة الاجتماعية بأنها عملية ضرورية نتيجة عدم ملائمة النموذج الأمريكي للخدمة الاجتماعية لنظم تعليم وتدريب طلاب الخدمة الاجتماعية في الدول التي أجريت عليها الدراسة, ومنذ هذا التاريخ, أصبح مصطلح توطين الخدمة الاجتماعية مصطلحا شائعا بين المشتغلين بمهنة الخدمة الاجتماعية في الدول النامية. وتوطين الخدمة الاجتماعية يعني أيضا انها عملية مخططة لجعل التعليم والتدريب للخدمة الاجتماعية مناسبا وملائما لمطالب ممارسة الخدمة الاجتماعية, ولجعل أدوار الخدمة الاجتماعية متمشية مع الاحتياجات والمشكلات في البلاد التي تمارس فيها. والتوطين عملية تكييف الأفكار المستوردة للخدمة الاجتماعية من الخارج لتناسب وتلائم الاحتياجات والمشكلات الوطنية المحلية. وبهذا تصبح المهنة أكثر استجابة لثقافة وواقع واحتياجات ومشكلات المجتمع, وهذا سوف يحقق للمهنة: الاستمرارية, والمساهمة الفعالة في حل المشكلات, وحصولها على مكانة مهنية مرتفعة. أهمية التوطين تؤكد أهمية التوطين العوامل التالية: * الانتماء والحماس الوطني: وهو عنصر هام لا يجب اغفاله, إذ ان الخدمة الاجتماعية ليست مادية ومن ثم تصبو النفوس إلى أن تصبغ قوميا وأن يضفي عليها كل وطن طابعا خاصا. * اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين الدول المتقدمة صناعيا, وبين الدول النامية, وحتى بين الدول بعضها البعض. وهذا أمر يجعل من التوطين قدرا مقدورا. * تشير المراجع الأجنبية إلى ما يسمى بالخدمة الاجتماعية الأمريكية, والخدمة الاجتماعية البريطانية, بل وفي المراجع والمجتمع الأمريكي نفسه توجد خدمة اجتماعية يهودية, وخدمة اجتماعية مسيحية, بل وخدمة اجتماعية كاثوليكية, وخدمة اجتماعية بروتستانتينية. فلماذا لا تكون هناك خدمة اجتماعية اماراتية, ومصرية, وكويتية... وهكذا. طالما انها مهنة يجب أن تنشأ منسجمة مع سائر مكونات النسيج الثقافي للمجتمع. * يغلب على النموذج الغربي للخدمة الاجتماعية الطابع العلاجي, وهو هدف ليست له أهمية قصوى في الدول النامية حيث التركيز يجب أن ينصب على تجنب المشاكل وزيادة الموارد وتنمية البشر, فالحاجة ملحة إلى خدمة اجتماعية وقائية وتنموية أكثر من حاجتها إلى خدمة اجتماعية علاجية. لا للتأصيل. * أما التأصيل فيقصد به الرجوع إلى الماضي كي ننهل منه من القيم والتجارب والخبرات ما يثري الخدمة الاجتماعية المعاصرة نظريا وتطبيقيا. كما يعني التأصيل أيضا خلق نماذج ممارسة محلية وطنية أصيلة نابعة من الظروف المحلية للمجتمع ومعبرة عن احتياجاته ومشكلاته الواقعية بدلا من استيراد هذه النماذج من الخارج. ويدعم اتجاه التأصيل في مجتمع الامارات ما يلي: * ثراء التاريخ الاماراتي, حيث يتضمن امتداده الزمني قبل وبعد ظهور النفط عناصر ثقافية وحضارية واجتماعية وفيرة تجعل من يدرسها وينقب في طياتها يخرج بحصيلة من المعارف والخبرات يفخر بأنها تمثل التراث التقليدي الذي يجب أن تستند إليه وتركز عليه الخدمة الاجتماعية في دولة الامارات. * التراث الديني الاسلامي, فالشعب الاماراتي متدين بطبيعته, ومن ثم فللدين أثره الواضح على التفكير والسلوك, والدين الإسلامي غني بتراثه القيمي وبالأخلاقيات التي تكفل صلات قوية بين الإنسان وأخيه الإنسان. وفي الإسلام مفهوم واضح للتكافل الاجتماعي والزكاة والنفقة والصدقات, وجعل الإسلام من بيت المال مصدرا لمد المحتاجين بمورد للرزق, وبذلك جعله الصلة بين المحتاج وبين المجتمع مباشرة, فأصبح المواطن المحتاج يأخذ حقا من الدولة وليس احسانا من الغير. * ولهذه الأسباب بدأ يظهر اتجاه قوي لأسلمة الخدمة الاجتماعية, بمعنى أن تأخذ ايديولوجيتها وكثيرا من نظامها التقني من الإسلام وتعاليمه, وبذلك تصبح الخدمة الاجتماعية أكثر فعالية في مواجهة مشكلات المجتمع. وما المانع في ذلك وقد ظهرت في المجتمع الغربي الخدمة الاجتماعية الأمريكية والانجليزية, والخدمة الاجتماعية اليهودية, والبروتستانتينية... وغيرها. التحديث مصطلحنا الأخير في عرضنا هذا وهو (التحديث) وهو نقيض التأصيل, ويقصد بالتحديث أن ننهل من التقدم العلمي الذي يأتي من الخارج - مهما كان موطنه - وألا نتخلف عن مسايرة ركب العلم العالمي وإلا لعدنا القهقرى, ووقفنا ضد العولمة والتي تفرض نفسها في الوقت الحاضر كطوفان يدعو إلى التركيز والاستفادة والحذر في الوقت نفسه. وبطبيعة الحال ينطبق التحديث على الخدمة الاجتماعية, فهي في حالة صيرورة دائمة على الصعيد العالمي, وإذا ما سعينا وراءها فإننا نكون في الواقع متحركين قدما مع التقدم العلمي, وان اتخذنا موقف اللامبالاة فإن ذلك يعني في الواقع تخلفنا عن الركب العالمي. ويدعم اتجاه التحديث: * الأمم المتقدمة صناعيا واقتصاديا هي المتقدمة أيضا علميا, بل إن العلم هو سبب ازدهار تلك الأمم صناعيا واقتصاديا. والتخلف يعني عدم التقدم العلمي, ومن ثم التخلف الصناعي والاقتصادي. وما دامت الدول النامية تابعة جزئيا أو كليا للدول المتقدمة اقتصاديا - فإن التبعية العلمية تصبح من الأمور المسلم بها, فهي أقدر منا على افراز العلم الغزير, وعلينا أن نتابع هذا التقدم العلمي لديها. * تحديث الخدمة الاجتماعية هو العنصر الحاسم الذي يجعلها أكثر فعالية, فهو إذن أمر لا مفر منه, وإلا تحولت الخدمة الاجتماعية تدريجيا إلى نظام تقليدي عقيم. * يتعرض المجتمع الحديث إلى تغير مستمر, والتقدم العلمي ما هو في الواقع إلا محاولة من جانب الإنسان للتعامل مع هذا التغير. لذلك فإن الخدمة الاجتماعية الحديثة هي الأكثر تلاؤما مع متطلبات الحياة العصرية المتغيرة - أما الأنظمة العلمية التقليدية فهي أعجز من أن تواكب احتياجات المجتمعات, فالتمسك بها يعتبر مضيعة للوقت. أعلى الدرب بعد هذا العرض لمفاهيم التوطين والتأصيل والتحديث, أكاد أجزم بأن الخدمة الاجتماعية في دولة الامارات - مع نهاية الألفية الثانية وقرب حلول الألفية الثالثة - تسير على الدرب سواء في التعليم والاعداد أو في الممارسة. فقد تم تخريج أعداد لا بأس بها من المواطنين الذين بدأوا في تولي مسئولية العمل في مؤسسات الخدمة الاجتماعية محل الوافدين, وبالتالي سيكونون أكثر واقعية وارتباطا بطبيعة وثقافة المجتمع عند الممارسة, كذلك فقد أخذ قسم الخدمة الاجتماعية بجامعة الامارات بأحدث الاتجاهات العلمية العالمية في الخدمة الاجتماعية, كما تقوم على قيادة القسم مواطنة من المجتمع أعدت وتعلمت في أحدث الجامعات في أمريكا, كما يوجد حاليا من المواطنين من يكمل دراسته بأمريكا, ويتبنى القسم خطة لاعداد معيدين وارسال بعثات, كما يتبنى خطة لاستقطاب أعضاء هيئة تدريس ومشرفي تدريب ميداني على مستوى يواكب التوطين والتأصيل والتحديث. أضف إلى ذلك ان خطة تعليم قسم الخدمة الاجتماعية تتضمن مساقا عن الخدمة الاجتماعية من منظور إسلامي, ويقوم أعضاء هيئة التدريس بعرض نماذج وأمثلة من واقع (مجتمع الامارات) , كما بدأت حركة تأليف مراجع واعداد بحوث علمية مرتبطة بالمجتمع, وتلك بداية معقولة في عمر الخدمة الاجتماعية القصير نسبيا.