يبدو ان عملية تسوية الصراع العربي ـ الصهيوني باتت في ساعاتها الأخيرة الحرجة, حيث ستتقرر في ضوء محصلتها النهائية صورة المنطقة لسنوات طويلة مقبلة, وتؤثر بالتالي على جميع الدول العربية فرادى ومجتمعة, وهذا ما يستدعي ضرورة حشد كل الامكانيات العربية من أجل تخفيف الخسائر وتعظيم العوائد في بيئة صعبة وغير مواتية. فعملية عض الاصابع في المفاوضات غير المباشرة عبر الوسطاء ووسائل الاعلام تبدو على أشدها على المسار الاسرائيل ـ السوري اللبناني, وتراوح المواقف المعلنة للأطراف المعنية مباشرة بين تفاؤل واضح أحيانا وبين حذر وتحذيرات متبادلة حول احتمال (اضاعة الوقت وفرصة السلام الراهنة) . لكن تفاؤل الرئيس الأمريكي كلينتون الذي أعلنه أمس بعد تردد ينطوي على احتمال ايجاد حلول للمصاعب العالقة, أو انتظار أمريكي لمواقف وتنازلات من قبل القوى المعنية يتوقعها كلينتون في ربع الساعة الأخيرة. وان كان معروفا ان الموقف السوري لا يقبل التراجع عن أي من حقوقه المشروعة والمعترف بها دوليا والمنسجمة مع قرارات الأمم المتحدة, فإن الموقف الاسرائيلي يكاد يصبح أسيرا للعقبات التي يختلقها في محاولة لابتزاز المفاوض العربي, مما يعني ان احتمال انفجار عملية التسوية وانهيارها على هذا المسار لا يمكن استبعاده نهائيا رغم الضغوط الهائلة الدافعة باتجاه انجاز التسوية. أما على المسار الفلسطيني فمن حق الشعب العربي في الأراضي المحتلة ان يتقبل بفرح كل عملية جلاء لقوات العدو, وان يأمل بكيان حر مستقل, لكن كل ما جرى حتى الآن في ظل (أوسلو) لا يدعو إلى التفاؤل والاطمئنان, فمقابل ثمن هائل من وأد الانتفاضة ومحاولة استئصال المقاومة فإن كل عمليات الانسحاب الاسرائيلي لم تتجاوز 42% من الضفة وغزة على مختلف الدرجات (أ, ب, جـ) لكن الانسحاب النهائي لقوات العدو لم يصل حتى الآن (وبعد الانسحاب الأخير من 6.1%) إلى 14% فقط من جملة أراضي الضفة والقطاع. وهذا يعني ان الشوط مازال طويلا على هذا المسار الذي تجري المفاوضات فيه ضمن أجواء بالغة الصعوبة والاختلال في موازين القوى, ومع نيّة اسرائيلية مبيتة في تحقيق أعلى درجات التوسع والتهويد على الأرض الفلسطينية. ذلك كله يتطلب مواقف عربية داعمة للمفاوضين ووعياً دولياً بأن أي تسوية تأتي مخالفة لقواعد الحق والعدل والسلام الشامل تكون مجرد تعبير عن موازين قوى مهتزة ستتغير بتغيرها, وعليه فبقدر ما تقترب الحلول النهائية من العدالة بقدر ما تساهم بصنع السلام, أما دون ذلك فما قد يتم بناؤه هو مجرد هدنة أو وهم مفروض بالاكراه.. أو انهيار للبنيان قبل اكتماله..!!