أزمتنا السياسية ... أيديولوجية أم أخلاقية

بقلم: ياسر الفهد* إذا دققنا في علاقاتنا السياسية والاقتصادية والعلمية مع الدول الأخرى, الكبرى منها والصغرى, الصديقة والعدوة, نجد اننا في أغلب الحالات نمثل الطرف الخاسر, بينما يمسك غيرنا بمعظم الأوراق الرابحة. فهم يأخذون منا أكثر مما نأخذ منهم, ونعطيهم أكثر مما يعطوننا. فمثلا, وفي مجال العلاقة مع أمريكا, فإن العرب كثيرا ما يتجاوبون مع رغباتهم وطلباتها, وأحيانا مع املاءاتها, وينفذون سياساتها على أرض الواقع, ويحفظون مصالحها الاستراتيجية, وإن كانوا قد اعتادوا على شن هجمات اعلامية ضارية ضدها, وعلى كيل السباب والشتائم لها, وقذفها بوابل المفرقعات اللفظية التي لا تقدم أو تؤخر شيئا, ولا تستطيع أن تسقط عصفورا من غصن شجرة. وفي مقابل ما يقدمونه لها على الصعيد العملي, فإنهم لا يحصلون منها إلا على أقل مما يجب, مثل الضغط الخفيف على اسرائيل في مفاوضات السلام, والذي لا يتعدى أحيانا الدغدغة الناعمة بين حبيبين, وكبعض المساعدات والقروض المالية التي تتلقاها بعض الدول العربية, مثل مصر والأردن, والتي لا تتناسب مع ما تجنيه أمريكا من استثماراتها البترولية والتجارية في الوطن العربي. وفي مضمار الحل السلمي, فإن شروطه لا تصل إلى مستوى التسوية العادلة. وهي تميل إلى الانسجام مع الرغبات الاسرائيلية أكثر مما تتناغم مع مصالحنا المستقبلية, ولا سيما في مجال الأمن وترك أراض شاسعة من أراضينا, منزوعة السلاح, بدلا من أن تكون هذه الأراضي على جانبي الحدود. ولا ننسى ان السلام يوفر للاسرائيليين, غطاء الأمان الاستراتيجي والنفسي الذي هم في أمس الحاجة إليه, بينما يغلق في وجوهنا باب تحقيق وحدة عربية مستقبلية ذات امتداد اقليمي واتصال جغرافي, كاملين. وفي مجال علاقاتنا مع الدول الآسيوية والافريقية وبلدان العالم الثالث, فإننا لا نحصل منها على ما يكفي من دعم سياسي ومعنوي يتناسب مع الأواصر الوشيجة والمصالح المشتركة التي تربطنا معها, بل ان بعض هذه الدول أقامت مع اسرائيل علاقات دبلوماسية وتجارية, حتى قبل أن تنسحب من كامل الأراضي العربية المحتلة. وإذا نظرنا في علاقاتنا مع أوروبا وروسيا وغيرهما, نجد اننا نقدم لها من المكاسب التجارية الناجمة عن شراء الأسلحة والسلع, أكثر بكثير مما تقدم لنا من عون. ولا ننسى كذلك, أننا في الميدان الصناعي, نستورد من الدول الأخرى تكنولوجيات منقولة ومصنوعات, بأثمان فاحشة, بينما نصدر لها مواد خام, بأسعار بخسة. فما سر هذا الفشل في علاقاتنا مع باقي العالم؟ لا ريب اننا نحتاج إلى كتب كاملة حتى نتبين أسباب ذلك. ولكننا هنا لن نتوسع في التحليل الاجمالي, بل سنقصر اهتمامنا على معادلة واحدة دون غيرها. فهل تعود اخفاقاتنا القومية والسياسية إلى عوامل أيديولوجية وأخطاء في التفكير السياسي العربي, أم إلى بواعث قيمية, وإلى تدن في الأخلاقيات السياسية العربية؟ وبتعبير آخر, هل تكمن علة قصورنا, في ابتعادنا عن التنظير السياسي السليم, وفي ركوبنا مراكب خاطئة في الممارسة القومية, أم ان الأمر يتعلق بتنكب جادة الصواب الأخلاقي, والانحراف عن النهج القويم, والخروج عن المثل العليا والمبادئ السامية؟ الحقيقة ان للعاملين معا دورهما الأساسي, ولكننا نميل إلى ترجيح كفة القصور الأخلاقي على كفة القصور الايديولوجي. فلا شك ان للاجتهادات القومية والتخطيط السياسي, تأثيرا جوهريا في صياغة أوضاعنا وترتيب شئوننا, فنحن في ممارستنا الداخلية والعربية والدولية, كثيرا ما نرتكب أخطاء تنعكس سلبيا, على واقعنا ومستقبلنا. ومثال ذلك لجوؤنا إلى المواقف السياسية الانفعالية التي تؤدي إلى استنزاف جهودنا وهدر طاقاتنا, دون أن تتمحض عن أية مكاسب عملية, مع أن الأجدر بنا تبني منطق العقلانية الهادئة والتخطيط السليم القائمين على المحاكمة والاستنتاج واستقراء الواقع الحقيقي المعاش. ولا ننسى أيضا اكثارنا من الخطب والأقوال الكلامية, وتغنينا بالشعارات الحماسية, دون أن يقترن هذا بأفعال حقيقية موازية. وهنا أيضا الارتجال في مواقفنا السياسية وعدم اعتمادها على نتائج البحوث والدراسات السياسية المتأنية, ولجوؤنا إلى ردود الفعل الآنية على الأحداث, عوضا عن التخطيط بعيد المدى. هذه كلها أخطاء تقود دون ريب إلى اضعافنا وفشلنا. ومع ذلك, فإننا نعتقد ان العامل الأهم في تردي أحوالنا, يتمثل بالقصور السياسي الأخلاقي, وان جوهر أزمتنا الراهنة يتمحور حول العامل الوجداني. فهناك بعض أصحاب القرار من مختلف المستويات, في هذا الجزء من الوطن العربي أو ذاك, يفكرون بأنفسهم قبل التفكير بأوطانهم, ويلهثون وراء مصالحهم, وبتعبير آخر, فإن السلوك السياسي عند بعض المسئولين العرب - لا جميعهم بالطبع - قد تعرى من القيم الأصيلة, ولا شك ان نتائج هذا الوضع تنعكس على حياتنا العامة والسياسية معا. إذن, فإن اخفاقنا القومي, حسب منظورنا في هذا المقال, اخفاق أخلاقي بالدرجة الأولى. وهو أيضا وفي المقام الثاني, اخفاق أيديولوجي يرتبط بالفشل في اتباع الخيارات السليمة وسلوك المسالك الصحيحة. ونعتقد جازمين ان الممارسة السياسية النزيهة القائمة على قاعدة أخلاقية قويمة, مهما كان لونها واتجاهها ومسارها, وأيا كانت هويتها ونظريتها ومنطلقاتها, هي التي يكتب لها النجاح, في أغلب الأحوال. وفي المقابل, فإن الممارسة السياسية اللاأخلاقية, سواء كانت يسارية أم يمينية, معتدلة أم متصلبة, هي التي تمنى حتما بالفشل. وبتعبير آخر, فإن المسئول السياسي الأخلاقي, الذي يتحلى بوجدان نقي ويد نظيفة, هو الأقدر على خدمة الأمة العربية, مهما كان النهج السياسي الذي يتبعه. كما ان الزعم المجرد من القيم, لا يمكن أن يرجى منه خير أو يعقد عليه أمل, مهما كانت أيديولجية القارب السياسي الذي يقوده. خلاصة القول, ان المقياس الأساسي لنجاح العمل السياسي العربي, يتجلى في النزاهة الأخلاقية, أولا. وبصواب النظرية السياسية, ثانيا.

تعليقات

تعليقات