بقلم احمد عمرابي ايهما اهم بحساب الاولويات العاجلة: التحرير الاجتماعي للمرأة الفلسطينية ام تصفية الاحتلال الاسرائيلي للأرض الفلسطينية تمهيدا لانشاء دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة؟ هذا هو السؤال الملحاح الذي ابى ان يبارح ذهني على مدى اكثر من ساعة وانا اشاهد واسمع ندوة نسائية في احدى الفضائىات العربية المستقلة عن حقوق المرأة الفلسطينية. كن ست نساء مع مدير الندوة.. كلهن فيما بدا من احاديثهن من قائدات, وربما رائدات, العمل النسائي الفلسطيني.. مما يعطي انطباعا للمشاهد انهن جميعا ذوات تجربة وخبرة في ميدان العمل النسائي. وفي مناقشاتهن المستفيضة المفصلة, أجبن على الاسئلة التي كان يطرحها مدير الندوة من حين لآخر او تعقيبا على ملاحظاته, ابدين آراءهن عن كل شيء تقريبا يتعلق بشأن المرأة الفلسطينية. ورغم اختلافات فرعية في الرؤى هنا وهناك كان بينهن ما يشبه الاجماع حول محاور القضايا الرئيسية التي تواجه نساء فلسطين مثل الحقوق الزوجية, وخاصة الطلاق, وحق التعليم النظامي, وحق العمل في القطاعات والوظائف العامة, والحق في حرية السفر والانتقال. ولولا اشارة عابرة من احداهن جاءت عند نهاية المناقشات عن ان تحرير المرأة الفلسطينية مرتهن الى تحرير الارض اولا. خلت الندوة تماما من قضية التحرر الوطني. هذه الاشارة العابرة صدرت عن واحدة فقط من المشاركات وكأنها اعتذار او استدراك فات اوانه. ولا أحب ان ألجأ الى نظرية المؤامرة.. لكن اقول انه سواء اعتمدنا ورود عنصر المؤامرة او استثنيناه فإنه كان من الواضح ان الانطباع العام الذي اراده من هم وراء ترتيب مثل هذه الندوة هو ان قضية الساعة في المحيط الفلسطيني ليست تحرير الارض وانما الالتفات الى حقوق المرأة. واستخلاص هذا ليس مبنيا فقط على حقيقة تجاهل الارتباط بين قضية تحرير المرأة الفلسطينية وقضية تحرير فلسطين نفسها كشعب ومجتمع بما فيه نساء ورجال واطفال, وانما ايضا تلك الروح العدائية ضد الرجال التي انتظمت مسار الندوة من اولها لآخرها. والرجال في هذا السياق هم بالطبع الآباء والازواج والاخوة والابناء البالغين. الرجل بهذه الصفات المتعددة هو العدو المستهدف الاول في هذا الظرف الراهن. واذا كان الهدف المقصود من مثل هذه الندوات التلفزيونية هو تحقيق غاية (تربوية) لاستنهاض الوعي بين ملايين المشاهدين الموجه اليهم الخطاب ـ وهم في هذه الحالة جمهور النساء الفلسطينيات, خاصة في الارض المحتلة ـ فإن الندوة موضوع الحديث هي, بايجاز دعوة الى حرب اهلية, اجتماعية وفكرية. وبذلك ينشغل المجتمع الفلسطيني, بنسائه ورجاله, عن معركة الحياة او الموت مع العدو الاسرائىلي حتى ينصرف بكل طاقاته الى اقتتال اجتماعي داخلي. لست من الذين يقفون ضد تحرير المرأة سواء في المجتمع الفلسطيني او غيره.. بل انني من المؤمنين بأن احد عوامل التخلف الرئيسية لشعوب الوطن العربي هي حرمان النساء من المشاركة في العمل الوطني وعملية الانتاج القومي, لكن القضية المصيرية التي تعلو على اي قضية في فلسطين هي قضية بقاء الشعب الفلسطيني على قيد الحياة في مواجهة عدو اجنبي يريد ابقاءه في حالة استعباد مستديم. وفي هذا السياق الاكبر يبقى التحرير الاجتماعي لنساء فلسطين رهنا بتحرير الوطن اولا.. وكأعلى وأهم اولوية تجعل ما عداها ثانويا وضئيلا.