بقلم د. أحمد القديدي من أصدق وأصوب الآراء التي طالعتها هذه الايام حول رسالة الاسلام في عصرنا الراهن ذلك البحث الذي كتبه أ.د كمال أبو المجد (مجلة وجهات نظر فبراير 2000) وكنت علقت عليه في إبانه, ذلك ان المفكر العربي المسلم الشهير دعا الى اعادة النظر في توظيف قيم الاسلام وتراثه بوسائل تنبذ العنف وتندد بالتكفير، وتفتح باب الحوار مع اولي الأمر او مع الحضارات الاخرى, كما دعا الحكومات الى التعامل مع ظاهرة العنف العقائدي بأدوات العصر كذلك الى الحوار والتربية والعدالة الاجتماعية واقرار الديمقراطية. وسأحاول في حلقتين المشاركة في هذا الحوار بالتأكيد على ان رسالة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم كانت رسالة تطوير حكيم للمجتمعات العربية ثم غير العربية ولم تعتمد التثوير الجذري والكامل الذي ربما انجرت عنه فتن وحروب, فالرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم تعامل مع الواقع وطوره وأرساه على قيم الاسلام دون ان يسعى الى تقويضه تماماً ولم يهدم إلا أصنام الكعبة هدماً كرموز للوثنية والكفر أما هياكل المجتمع الجاهلي ونظمه ونواميسه فقد وجهها محمد صلى الله عليه وسلم وجهة اخرى بالتطوير لا بالتثوير. ان الفكرة الأساسية الاولى التي تلح علي عندما ارجع الى امهات الكتب التراثية الاسلامية هي ان العرب قبل الاسلام عرفوا تعاقبا مستمراً لحضارات مختلفة لم تخل من تنظيم سياسي ومن نواة دول لكن الاسلام عندما بزغ فجره العظيم جاء لوضع مؤسسات أخلاقية وتشريعية عادلة منصفة مرنة حكيمة كانت المحاولات السياسية فيما قبل الاسلام تفتقدها. ثم ان تلك المحاولات القديمة كانت تحركها العصبيات وتحكمها موازين القوى وتخضع للاستبداد ـ من قبل قبيلة او رئيس ـ بينما ارسى الاسلام قواعد التقوى وخشية الله وفريضة التوحيد فتحولت محاولات التنظيم المجتمعي لما قبل الاسلام الى مفهوم الدولة بمعنى الأمانة والاستخلاف والقيام على منظومة من القيم والمثل بل لم تكن فواجع الفتنة الكبرى ومقتل الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم وأرضاهم الا الضريبة الدموية الغالية التي دفعها المسلمون في فجر دينهم في سبيل تكريس دولتهم لقد قامت قبل الاسلام في جزيرة العرب وحولها مملكة النبط في القرن الثاني قبل المسيح ومملكة تدمر وكانت حمص عاصمة لها وفي الشمال الغربي قامت مملكة الغساسنة ولم تكن مستقلة تماماً عن حماية البيزنطيين, كما ظهرت مملكة الحيرة في العراق وكانت محمية فارسية, يقول د. ظافر القاسمي أستاذ العلوم الاسلامية في الجامعة اللبنانية ونقيب المحامين السابق في كتابه (نظام الحكم في التربية والتاريخ) : (واذا كنا لا نعرف شيئاً عن نظام الحكم الذي كان قائماً في هذه الممالك, فإنه يغلب على الظن انها قد عرفت بعض القواعد الاصلية في سياسة الملك, بدليل استمرارها واستقرارها ردحا من الزمن ليس بالقصير, والا لكتب عليها الزوال في زمن يسير, ومن الراجح ان المناذرة في الحيرة قد اقتبسوا بعض ما كان عند الفرس من نظام تقنين الملك وان الغساسنة قد أخذوا عن الروم بعض ما اتفق مع بيئتهم واوضاعهم من انظمة الدولة, بحكم الاتصال الوثيق الذي كان بين هؤلاء واولئك والفرس والروم من الدول التي كان لها في ذلك العصر قوانين وأنظمة ما زال بعضها قائماً حتى اليوم..) . ثم ان الرمز الكبير لعظمة الهبة النبوية هو اقرار الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة عاصمة سياسية وتجارية وثقافية باضافة قيم الاسلام على تلك المنزلة التقليدية التي تتمتع بها مكة المكرمة منذ ان أسس ابراهيم عليه السلام فيها قواعد البيت وقد شرع الرسول صلى الله عليه وسلم نظاماً اخلاقياً وسياسياً يتمثل في فريضة الحج بعد ان كان (الحج) القديم قائماً على النفع التجاري الذي لا يتورع عن سلب ونهب واستغلال وربا, فكان اقرار الحج كأحد اركان الاسلام بحد ذاته تحولاً حاسماً في الظاهرة الجماهيرية العربية من التجارة الى العبادة ومن الحشد الى المؤتمر ومن الخوف في الطرقات والمسالك الى الأمن المقيد بالمعاهدات والقانون.. بل وحتى بالمفهوم السياسي تحول من التجمهر القبلي المؤيد للاستبداد الى تجمع شورى كريم هو أقرب للإجماع الشعبي وتوحيد كلمة الأمة. ثم ان الرسول صلى الله عليه وسلم تصرف تصرف الانبياء مقرونا بتصرف الحكماء حين اعطى المثل في قيادته السياسية باعتبارها كما نقول اليوم (فن الممكن) فلم يبتعد عن تقاليد المجتمع العربي ابتعاداً ينفر الناس ويبعدهم عنه بل عالج التنظيمات الموجودة وطورها ـ لا ثورها ـ دون اثارة الحفائظ وزلزلة العادات, انما اسقط على تلك النواة التنظيمية ما أوحاه له جبريل من عظيم الذكر محملاً بثورة الاسلام فوفقه الله تعالى في احداث التغيير المطلوب.