كلما تداول الناس موضوع الصداقة, وكثرت أحاديثهم حول الوفاء وغدر الأصدقاء, أتذكر بيتا من الشعر عميق المعنى والوقع للامام الشافعي يقول فيه: سلام على الدنيا إذا لم يكن بها صديق صدوق صادق الوعد منصفا هذا الصديق الذي يأتيك في كل أحواله وأحوالك بدون تكلف, ويتقبلك كما أنت دون ان يمارس عليك استاذيته أو وصايته أو احتكاره, هذا الصديق الذي لا يعترف بأن للصداقة عمرا افتراضيا, صار على ما يبدو من نوادر هذا الزمان أو كما قالت العرب قديما بأنه من المستحيلات الثلاثة التي هي (الغول والعنقاء والخل الوفي)! كل الناس تتحدث عن بعضها بحذر وبعدم طمأنينة وبلا حميمية, والكل يتهم الكل, حيث كل الناس صارت متكلفة أكثر مما يجب, وما أسرع ما يتنكر أصدقاء هذا الزمان لأصدقائهم, وما أكثر عقود الصداقة المبنية على المصالح الخاصة الضيقة, وبحسب هذه العقود فإن تنكر الاصدقاء يبدو أمرا عاديا يقابله البعض بابتسامة صفراء دليل اعتياد أو عدم مفاجأة, هل هذا دليل آخر على ان القسوة قد سكنت القلوب والأرواح بشكل نهائي وبأن المشاعر قد غادرت إلى غير رجعة؟ اعتقد انه في موضوع الصداقة هناك فهم خاطئ للعلاقة وهناك تحميل أكبر مما يقتضيه الحال للعلاقات العابرة التي لا تحتمل معنى الصداقة أبدا, وعليه فلا يمكننا اعتبار علاقة نشأت بشكل خاطف اثناء رحلة طيران طويلة, أو لقاء في مقهى أو في أحد المطارات أو الأسواق أو القطارات, مشروعا لصداقة حميمة, حيث الصداقة بناء في الروح, وثقة في التعامل, وتراكم في الزمن, واختبار ومحكات تحتاج إلى ظروف ومواقف واكتشافات, الصداقة أكبر من ان ننظر إليها كأي مشروع تعارف انساني قد لا يدوم لأكثر من 24 ساعة أو وفق ما تقتضيه المصلحة. أما الغدر وعدم الوفاء فليس من مفاجآت الانسانية الحديثة, فهذه سمات وجدت منذ ان تحرك الانسان على الأرض, ونبتت في دواخله مشاعر الانسان وتناقضاته وطموحاته وغاياته الخاصة, وحينما تختار اصدقاءك فأنت ترسم قدرك وقدر الصداقة بهذا الاختيار, ولنتذكر معا حكمة تقول: (القدر يصنع الوالدين, لكن الاختيار الصحيح يصنع الاصدقاء) . بعد كل تجربة صداقة فاشلة يكرر البعض (اللهم جنبني شر أصدقائي, أما أعدائي فأنا كفيل بهم) ! دون ان يلتفت إلى نفسه متسائلا عن دوره في افشال الصداقة وعدم مقدرته في الحفاظ على من أحبهم, نحن عادة لا نضع اللوم على أنفسنا في كل مواقفنا الخاطئة, نحن دائما نسارع في لوم الآخرين كي نتجنب الاعتراف والمواجهة تجاه اخفاقاتنا الشخصية, مشكلة الانسان الكبرى يقينه المطلق بأنه لا يخطئ أبدا مع اننا جميعا نوقن بأن (كل ابن آدم خطاء) . * آخر الكلام: انظر إليهم يتزاحمون على أبواب الشر الضيقة, مع ان أبواب الخير أوسع مما يتخيلون.