بعد كل الآلام والدمار الذي تعرضت له جروزني, وعشرات آلاف الضحايا الشيشانيين والروس في الحرب المدمرة, قرر أخيرا الرئيس الروسي بالوكالة (فلاديمير بوتين) أن يزور العاصمة الشيشانية الممسوحة بفعل القصف وسياسة الأرض المحروقة, ليدعو من هناك إلى مفاوضات لا يعنيها بقدر ما يحاول من خلالها كسب ورقة انتخابية جديدة. فلقد تعهد بوتين مرارا أن يمحو المقاتلين الشيشان قبل نهاية مارس الجاري, ليتمكن عبر هذا الانتصار من تثبيت مقعده في الكرملين, ولتحقيق هذا الهدف اتبع هو وجنرالاته هناك سياسة الأرض المحروقة التي دمرت المدن والقرى وقتلت الحياة وشردت الناس, ومع أن روسيا تصر على اعتبار الشيشان (جزءا من الوطن) إلا أن جنرالات الحرب هناك لم يروا في الشعب الشيشاني ومقاتليه إلا مجرد (ارهابيين) يجب تدميرهم بكل الوسائل. كما يصرحون علنا لوسائل الاعلام! وبعد أن دمرت القوات الروسية جروزني ومعظم الشيشان احتفلت, واحتفلت معها موسكو بـ (النصر المبين) الذي سيتوج بوتين في الانتخابات المقبلة. لكنهم سرعان ما اكتشفوا واكتشف معهم الشعب الروسي ان النصر كان مجرد (عملية إعلامية) بينما يصر المقاتلون الشيشان على المواجهة حتى النهاية من جبل إلى جبل ومن مغارة إلى مغارة في حرب قال عنها عديدون من الخبراء والمحللين الروس أنفسهم انها ستكون طويلة المدى رغم كل الدمار الذي أصاب الشيشانيين. وإذا كان هناك من يرى ان الصمود الشيشاني بات أسطورة وأقرب إلى المعجزات في ظل عدم تكافؤ الامكانيات, واستخدام روسيا لكل وسائل الدمار, وصمت الغرب الذي باع ضميره وتبادل مع موسكو الصفقات السياسية والاستراتيجية التي أتاحت لها تدمير الشيشان.. إلا ان هناك من رأى من الروس أنفسهم أن هذا العنف القاسي الذي عوملت به الشيشان يشكل أحد أهم أسباب ووقود صمود الشيشانيين. فمن فقدوا مدنهم ووطنهم ومستقبلهم من شباب الشيشان الذين يسمعون بآذانهم التوصيف العنصري والمتعالي للجنرالات, هم أنفسهم يشكلون مصدر الامدادات الأهم للمقاتلين الشيشان الذين يتزايدون ولا ينقصون حتى في الاحصائيات الروسية نفسها. ولقد ذهب بوتين على حصانه الحديدي (سوخوي 27) في رحلة إلى جروزني أراد بواسطتها أن يوحي للشعب الروسي بأن النصر حقيقة وليس وهما, ومن هناك وجه للمقاتلين الشيشان دعوة للمفاوضات عسى أن تصمت مدافعهم ومفاجآتهم فلا ينسفون احتمالات نصره شبه المؤكد في الانتخابات الروسية. أما المفاوضات الحقيقية والسلام الحقيقي فما زال بعيدا عن شعب الشيشان المقاتل والحزين المدمر المشرد الذي يزيده البؤس إصرارا.