قبل نحو اسبوعين او اكثر أدلت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت بتصريح عن السودان اتهمت فيه الحكومة السودانية بتعمد قصف أهداف مدنية في مواقع حركة التمرد. وأشارت اولبرايت بالتحديد الى حادثة قصف قالت ان سلاح الجو السوداني قام بها على موقع في منطقة (جبال النوبة) اصيبت خلالها مدرسة. وما كاد صدى تصريح اولبرايت يخفت حتى وصل الى الخرطوم المبعوث الامريكي الخاص هاري جونستون في زيارة للمرة الاولى. وطوال الزيارة وبعدها ظل جونستون حريصا على تكرار أن الحكومة السودانية تقصف اهدافا مدنية واضعا حادثة المدرسة في سياق عام بما يوحي ان ضرب الاهداف المدنية في جنوب السودان وجبال النوبة سياسة ثابتة للحكومة السودانية. وفي مؤتمر صحفي في اسمرا عقده جون قرنق قائد (الجيش الشعبي لتحرير السودان) كان قرنق يكرر ان الحكومة السودانية تتعمد قصف المدنيين. بعد هذا المسلسل تحدث محمد عثمان الميرغني زعيم (الحزب الاتحادي الديمقراطي) المعارض في مؤتمر صحفي مجاريا النغمة نفسها: الحكومة السودانية تقصف المدنيين في مناطق التمرد عمدا وعن قصد. هذه المجاراة التي تأتي من زعيم معارض شمالي لاضفاء مصداقية على حملة دعائية امريكية ضد الحكومة السودانية عن طريق التضخيم بعد ان يؤمن عليها جون قرنق وكأن الزعيم الشمالي المعارض لا دور له في المعارضة الخارجية سوى ان يكون تابعا لخط قرنق في اطار (التجمع) هو بالضبط ما يرفضه الصادق المهدي. وهذا هو المنظور الذي يجب ان ننظر من خلاله في انسحاب (حزب الامة) من عضوية (التجمع) السوداني المعارض. حادثة الانسحاب في حد ذاتها لم تكن مفاجأة.. فقد سبقتها ارهاصات وتطورات.. جهر من خلالها الصادق المهدى زعيم (حزب الأمة) بقناعته تجاه التجمع وتركيبته العضوية وطريقة ادارة العمل السياسي فيه. في مناسبات متعددة قال المهدي ان (التجمع) هو في الحقيقة حركة قرنق مغلفة بغلاف شمالي.. وعلى هذا النحو فانه كيان يتم تسييره وفقا للاجندة الامريكية. وعلى هذا الاساس فان دور الفصائل الاعضاء في هذا التنظيم يجب من المنظور الامريكي ان ينحصر في ان يكونوا مجرد (جوقة موسيقية) على ان يكون دور قرنق هو قائد الاوركسترا. ان هذا الحكم الذي اصدره المهدي على التجمع ليس بلا حيثيات. والحيثيات هذه واضحة حتى لمن لا يتمتع بمثل وضع الصادق المهدي كزعيم مرموق رأى الصورة من الداخل. ان التجمع يتكون اساسا من ثلاث فصائل كبرى هي حزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي كتنظمين شماليين وحركة قرنق كتنظيم جنوبي. اما بقية الفصائل فانها ثانوية.. تتراوح ما بين تنظيم بلا وزن جماهيري كالحزب الشيوعي وتنظيمات متهافتة ليست سوى اسماء ولافتات. وفيما يبدو ان واشنطن اشترت هذه التنظيمات الثانوية لصالح قرنق لتكون غطاء يعطي التجمع طابعا قوميا ظاهريا بينما يكون عمليا وحقيقيا خاضعا لارادة قرنق تماما. وفيما قبل محمد عثمان الميرغني زعيم (الاتحاد الديمقراطي) هذا الوضع وارتضاه فان الصادق المهدي رفضه عند نهاية المطاف. وبغض النظر عن سلبيات الصادق المهدي كزعيم سياسي كبير (التردد والبطء في اتخاذ القرار مثلا) فانه ليس بوسع احد ـ بمن في ذلك خصومه ـ ان يطعن في وطنيته. فقد ثبت ان المهدي هو الزعيم المعارض الذي لا يمكن ان يشترى. وأقل ما يمكن ان يقال عن انسحابه من التجمع هو ان التجمع فقد العضو الذي يمثل اكبر تنظيم سياسي في السودان قاطبة.